يحيي بن حمزة العلوي اليمني

23

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الحكم الثاني : الحقيقة في وضع الألفاظ إنما هو للدلالة على المعاني الذهنية دون الموجودات الخارجية . والبرهان على ما قلناه هو أنا إذا رأينا شبحا من بعيد وظننّاه حجرا ، سمّيناه بهذا الاسم ، فإذا دنونا منه وظننّا كونه شجرا ، فإنا نسميه بذلك فإذا ازداد التحقيق بكونه طائرا ، سميناه بذلك ، فإذا حصل التحقيق بكونه رجلا سميناه به . فلا تزال الألقاب تختلف عليه باعتبار ما يفهم منه من الصور الذهنية . فدلّ ذلك على أن إطلاق الألفاظ إنما يكون باعتبار ما يحصل في الذهن . ولهذا فإنه يختلف باختلافه . الحكم الثالث : الألفاظ المشهورة من جهة اللغة المتداولة بين الخاصة والعامة ، لا يجوز أن تكون موضوعة بمعنى خفىّ لا يعرفه إلّا الخواص ، ولا يصلح أن تكون موضوعة بإزاء المعاني الدقيقة التي لا يفهمها إلا الأذكياء . ومثال ذلك هو أن لفظ الحركة ، والقدرة ، والعلم ، إنما تكون موضوعة على ما هو السابق إلى الأفهام عند العامة ، من أن الحركة هي نفس التحرك ، والقدرة هي نفس القادرية ، والعلم هو نفس العالمية . فلا يجوز أن يكون اللفظ موضوعا إلّا على ما ذكرناه ، ولا يجوز أن تكون موضوعة على المعاني الدقيقة التي لا تخطر ببال أحد من أهل اللغة كما يزعمه من أثبت العلة والمعلول من المتكلمين ، قال : إن الحركة موضوعة على معنى توجب كون الذات متحركة ، وهكذا القول في القدرة والعلم ، فإنه لو صح ما قالوه ، لما عرفه إلّا الأذكياء من الناس بالدلائل الدقيقة . وإذا كان الأمر كما قلناه فلفظ الحركة متداولة بين الجمهور من أهل اللغة ، فلا يجوز وضعه إلّا على المفهوم عندهم عند إطلاقه دون ما يقوله المتكلمون . الضرب الثاني : [ دلالة التضمن ] وهذا نحو دلالة الفرس والإنسان ، والأسد على معانيها التي هي متضمنة لها كالجمحية والحيوانية والإنسانية ، فإن هذه المعاني كلها تدل عليها هذه الألفاظ عند الإطلاق ، لأنها متضمنة لها من حيث إن هذه الحقائق لا تتعقّل من دون هذه الصفات . وهي أصل في معقول هذه الحقائق متضمنة لها ، فدلالتها عليها من جهة تضمّنها إياها . الضرب الثالث : [ دلالة الالتزام ] ، وهذا نحو دلالة لفظ الإنسان والفرس على كونها متحركة ، وعلى كونها شاغلة للجهة ، وغير ذلك من الأمور اللازمة . فهذه مجامع دلالة اللفظ على ما يدل عليه لا تخرج عن هذه الأمور الثلاثة ، المطابقة ، والتضمن ، والالتزام ، كما أوضحناه . ولنشر هاهنا إلى تنبيهات ثلاثة :