يحيي بن حمزة العلوي اليمني
209
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وأهليته لها ، وسبقه إليها ، لاستكمال خصالها فيه ، « ينحدر عنى السيل ، ولا ترقى إلى الطير » كنى بذلك عن علو شأنه ، وارتفاع قدره ، وعظم خطره عند الله « فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا » كنى بذلك عن إعراضه عن الإمامة ، لأمور جرت وعوارض حضرت ، فرأى أن الإعراض أحجى ، وأسلم للدين وأرضى ، والسدل هو إرخاء جانبي الرداء ، وطى الكشح كناية عن القطع ، يقال فلان طوى كشحه عنى ، إذا قطعك ، ويحتمل أن يريد بطى الكشح ، أنه أضمر ما في نفسه ، وستره وكتمه ، يقال طويت كشحي ، عن الأمر ، إذا أضمرته وسترته ، وكلا الأمرين صالح هاهنا ثم قال « حتى مضى الأول لسبيله » كنى به عن أبي بكر « فأدلى بها إلى فلان بعده » كنى به عن عمر من تحمله للخلافة بعده « إلى أن قام ثالث القوم » كنى به عن عثمان وخلافته « وقام معه بنو أبيه » كنى به عن بنى معيط « يخضمون مال الله خضمة الإبل ، نبتة الربيع » يكنى به عن أخذ الأموال من غير حقها ، ووضعها في غير أهلها ، ولقد كان الأمر فيهم كما قال عليه السلام من الخضم والقضم ، والتوسع في الأموال . والترفه فيها . فهذه الخطبة مشتملة على توجع ، واصطبار على ما كان منهم في الإمامة ، من الاختصاص والإيثار ، ولم يصدر من جهته عليه السلام ما يكون قدحا في أديانهم ولا حطا لمراتبهم ، ولا نقصا لأقدارهم ، وقد ذكرنا تقرير إمامته بالنصوص ، وأوردنا ما يتعلق بحكم من خالفها في الكتب العقلية ، ومن ذلك قوله عليه السلام ، في من يتصدى للحكم وليس أهلا له : « فإن نزل به إحدى المهمات هيأ لها حشوا رثّا من رأيه ، ثم قطع به ، فهو من لبس الشبهات ، في مثل نسج العنكبوت . لا يدرى ، أصاب أم أخطأ » فهذا خارج مخرج الكناية عن جهله ، وقلة البصيرة فيما يأتي ويذر ، ثم قال : « جاهل خباط جهالات ، عاش ركاب عشواءات » كنى به عن أنه لا يدرى ، أين يضع قدمه ، ولا أين منتهى قدره « لم يعض على العلم بضرس قاطع ، يذرى الروايات إذراء الريح الهشيم » كنى به عن خفة الوطأة في العلم ، وعدم القوة على إحكام أصوله وفروعه ، وهي كناية لطيفة لا يقوم لأحد بها لسان ، ولا يطلع على محّ فصاحتها إنسان ، ولا يعرف قدرها ، ولا يستولى على سرها ، ويعلم قدر جوهرها إلا الخواص من أهل هذه الصناعة وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون .