يحيي بن حمزة العلوي اليمني
197
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الضرب الثاني ما ورد من السنة النبوية ، فمن ذلك أنه خرج يوما وهو محتضن لأحد الحسنين فقال لهما : « إنكما لمن ريحان الله ، وإن آخر وطأة وطئها الله بوجّ » فهذا الكلام وأمثاله أورده على جهة التعريض لغيره ، وأقامه مقامه . فوضع قوله : « إنكما من ريحان الله » موضع الرحمة بهما والشفقة والحنو والعطف عليهما ، وإعظام المنزلة عنده لهما ، فعرض به عن ذلك ، ثم وضع قوله « وإن آخر وطأة وطئها الله بوج » ، موضع النعي لنفسه والتعزية لها بكونه قد قربت وفاته ، ووجه التعريض ، هو أن وجا موضع بالطائف ، وأراد به غزاة حنين ، لأنها آخر غزوة وقع فيها القتال مع المشركين ، فأما غزوة تبوك ، والطائف ، اللتان كانتا بعدها فلم يكن فيهما قتال ، وإنما كان خروج من غير ملاقاة للحرب ، فكل هذا الكلام تعريض بقرب وفاته وتأسف على مفارقة أولاده ، لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان ، ووفاته كانت في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة فكأنه قال : إنكما لمن رزق الله الذي يستراح به ، وتقر به النفس ، وإني مفارقكم عن قريب ، فانظر إلى هذا التعريض ، ما أحسن مغزاه وأدق في البلاغة مجراه ، وكم في السنة النبوية من هذه اللطائف العجيبة ، والأسرار الدقيقة والرموز الخفية . الضرب الثالث كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، قال في كلام يخاطب به زياد ابن أبيه ، وكان عاملا لعامله عبد الله بن عباس على فارس وكرمان ، وكور الأهواز : « وإني أقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من فىء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدن عليك شدة ، تدعك قليل الوفر ، ثقيل الظهر ، ضئيل الأمر ، والسلام » . فهذا كما يحتمل أن يكون على ظاهره فإنه يحتمل أيضا أن يكون قد أخرجه مخرج التعريض فيما كان منه من الانتساب إلى أبي سفيان وتهديدا له على ذلك ، فأوقعه موقعه ، وقوله عليه السلام : « أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم منى بطرق الأرض قبل أن نشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها ، وتذهب بأحلام قومها » فكما يمكن حمل هذا على ظاهره وهو السابق إلى الأفهام منه ، يمكن أيضا أن يكون أورده مورد التعريض تهكما بأصحابه ، وانتقاصا