يحيي بن حمزة العلوي اليمني
194
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لا بالحقيقة ولا بالمجاز ، فإذن لا معنى لكلامه . والذي غره من هذا ما قرع سمعه وخرق قرطاس عقله من لقب المفهوم في لسان الأصوليين ، فظن لخفة وطأته في المباحث الأصولية أن دلالة المفهوم من جهة القرينة ، وليس الأمر كما ظنه ، وإنما دلالة المفهوم لغوية ، مخالفة كانت أو موافقة ، والتعريض بمعزل عن ذلك لما أوضحناه . التعريف الثاني أن يقال فيه : هو المعنى الحاصل عند اللفظ لا به ، فقولنا : « الحاصل عند اللفظ » عام يدخل تحته لفظ الحقيقة ، وما يندرج تحتها من النص والظاهر ، ولفظ المجاز ، وما يندرج تحته من الاستعارة والكناية ، وقوله : « لا به » يخرج منه جميع ما ذكرناه ، لأن الحقيقة وما يندرج تحتها ، والمجاز وما يندرج تحته ، كلها مستوية في دلالة اللفظ عليها ، وأنها حاصلة عند اللفظ ، ويدخل تحته التعريض فإنه حاصل بغير اللفظ ، وهو القرينة كما مر بيانه ، وإن شئت قلت في حده : هو المعنى المدلول عليه بالقرينة دون اللفظ ، لأن التعريض إنما حصل معقوله بالقرينة دون دلالة اللفظ ، فينحل من مجموع ما ذكرناه أن دلالة اللفظ على ما يدل عليه من المعاني على ثلاث مراتب . ( المرتبة الأولى ) أن يكون ذلك حاصلا من جهة ملفوظه ، وما هذا حاله يندرج تحته النصوص والظواهر ، والألفاظ المؤولة ، والحقائق المشتركة ، وغير ذلك من الحقائق اللفظية . ( المرتبة الثانية ) أن يكون ذلك المعنى حاصلا من جهة المفهوم ، ثم ينقسم إلى مفهوم الموافقة ، وإلى مفهوم المخالفة ، فما وافق اللفظ في دلالته على ما يدل ، فهو الموافق ، وهذا كقول صاحب الشريعة صلوات الله عليه « إذا وقع الحيوان في السمن أريق المائع وقوّر ما حوالي الجامد » فإن العسل وسائر المائعات مثله ، وما خالف اللفظ في دلالته فهو المخالف كقوله عليه السلام « في سائمة الغنم زكاة » فمفهومه أن لا زكاة في المعلوفة . والمفهوم على درجات مختلفة وأحوال متفاوتة في الجلاء والظهور ، والخفاء ، قد استوفينا ذكرها في الكتب الأصولية .