يحيي بن حمزة العلوي اليمني
192
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
يبق إلا أنه يتجاذبهما حقيقة ومجاز ، وهذا هو مطلوبنا ، ولا قسم هاهنا رابع فنورده ونتكلم عليه . هذا ملخص كلام ابن الأثير فيما زعمه ، والحق الذي لا غبار على وجهه ، أن الكناية مخالفة للاستعارة ، وإن كانتا معدودتين من أودية المجاز ، والتفرقة بينهما تقع من أوجه ثلاثة ، أولها من جهة العموم ، والخصوص ، فإن الاستعارة عامة ، والكناية خاصة ، ولهذا فإن كل استعارة فهي كناية ، وليس كل كناية استعارة . وثانيها أن الكناية يتجاذبها أصلان ، حقيقة ومجاز ، وتكون دالة عليهما معا عند الإطلاق . بخلاف الاستعارة ، فإن لفظ الأسد يستعمل في السبع فيكون دالا عليه ، ثم يستعمل في الشجاع فيكون دالا عليه ، فأما الكناية فهي دالة على الحقيقة والمجاز جميعا عند الإطلاق ، وثالثها هو أن لفظ الاستعارة صريح ، ودلالتها على ما تدل عليه من الحقيقة والمجاز على جهة التصريح ، بخلاف الكناية ، فإن دلالتها على معناها المجازى ليس من جهة التصريح ، بل من جهة الكناية ، فقد افترقا من هذه الأوجه كما ترى ، فوجب القضاء بكون حقيقة أحدهما مخالفة لحقيقة الأخرى ، لا يقال فعلى أي وجه يكون التعويل في اشتقاق اسم الكناية ، هل يكون من الستر ، أو يكون اشتقاقها من الكنية ؟ لأنا نقول : الأمران محتملان فيها . وبيانه ، أما اشتقاقها من الستر فهو ظاهر ، لأن المجاز مستور بالحقيقة حتى يظهر بالقرينة ، فالحقيقة ظاهرة والمجاز خفى ، وأما اشتقاقها من الكنية فهو ممكن أيضا ، لأن الرجل إذا كان اسمه محمدا ، فهو كالحقيقة في حقه ، لأنه هو الموضوع بإزائه أولا ، وأما قولنا : أبو عبد الله ، فإنه أمر طارئ بعد جرى محمد عليه ، لأنه كأنهم لا يطلقونه عليه إلا بعد أن صار له ابن يقال له عبد الله حقيقة ، أو تفاؤلا ، فلهذا قلنا بأنه كنية ، لما كان موضحا للاسم وكاشفا عنه فهما كما ترى صالحان للاشتقاق . الفصل الثاني في بيان ماهية [ التعريض ] ، وذكر التفرقة بينه وبين الكناية ، أما حقيقة التعريف فله مجريان . المجرى الأول ، لغوى ، والتعريض خلاف التصريح ، يقال : عرضت لفلان أو بفلان إذا قلت قولا وأنت تعنيه ، ومنه المعاريض في الكلام ، وفي أمثالهم « إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب » أرادوا أن المعاريض فيها سعة عن قصد الكذب وتعمده ، واشتقاقه من قولهم عرض له كذا ، إذا عنّ ، لأن الواحد منا قد يعرض له أمر خلاف التصريح فيؤثره ويقصده . المجرى الثاني في مصطلح علماء البيان وله تعريفان .