يحيي بن حمزة العلوي اليمني

173

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

أوجبتها للأجنة في بطون أمهاتها ، ولن أكون لعطبها سببا ، وستعرفون طلائع كندة بعد ذلك ، تحمل في القلوب حنقا ، وفوق الأسنة علقا : إذا جالت الحرب في مأزق * تصافح فيها المنايا النفوسا أتقيمون ، أم تنصرفون ؟ قالوا بل ننصرف بأسوإ الاختيار وأبلى الاجترار المكروه وأذية ، وحرب وبلية ، ثم نهضوا عنه ، وقبيصة يتمثل : لعلك أن تستوخم الورد إن غدت * كتائبنا في مأذق الحرب تمطر فقال امرؤ القيس : لا والله ، بل أستعذبه ، فرويدا تنفرج لك دجاها عن فرسان كندة ، وكتائب حمير ، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى إذ كنت نازلا بربعى ولكنك قلت فأجبت ، فقال له قبيصة ما نتوقع أكثر من المعاتبة والإعتاب . فعليك إعمال فكرك في هذا الكلام ، ما أوقعه في إصابة المعاني وأسلس ألفاظه ، ومن ذلك ما قاله ابن الأثير فإنه أبدع في نظم المنثور ، وأحسن في تأليف العقود من الدرر والشذور ، ومن عجيب كلامه أنه يكاد يعول في نظم كلامه على كتاب الله تعالى فيجعله كالأساس للبناء ، قال في وصف القلم وقد أوحى الله إلى قلمه ما أوحى ، وإلى النحل ، غير أنها تأوى إلى المكان الوعر ، وهو يأوى إلى البيان السهل ، ومن شأنه أن يجتنى من ثمرات ذات أرواح لا ذات أكمام ، ويخرج من نفثاته شراب مختلف طعمه فيه شفاء للأفهام ، وأين ما تبينه كثافة الخشب ، مما تبينه لطافة المعنى ، ولا تستوى نضارة هذا الثمر ، وهذا الثمر ، ولا طيب هذا المجنىّ وهذا المجنى ، وقد أرخص ما يكثر وجوده ، فيذهب في لهوات الأفواه ، وأغلى ما يعز وجوده ، فيبقى خالدا على ألسنة الرواة . فانظر كيف جعل الآية أصلا وقاعدة لمغزاه ، ومهادا في لفظه ومعناه . وقال في وصف كاتب وهو إذا دجا ليل قلمه ، وطلعت فيه نجوم كلمه ، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدا ، إلا وجد له شهابا مرصدا ، فأسرارها مصونة عن كل خاطف ، مطوية عن كل قائف ، فقرر ما ذكره على ما ذكره في سورة الجن ، ثم قال له بنت فكر ما تمخضت بمعنى إلا نتجته من غير ما تهمله ، ثم أتت به قومها تحمله ، ولم نعرض على ملإ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره لا أيهم يكفله ، فشيد ما ذكره على هاتين الآيتين ، الأولى في سورة الجن ، والثانية في سورة مريم ، ومن ثم كان ارتفاع قدره ، واستتمام نور بدره ، ومن ذلك ما ذكره الشيخ العابد يحيى بن نباتة في خطبة له ، وهو قمر يشار إليه بالأكف في البلاغة ،