يحيي بن حمزة العلوي اليمني

163

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ونهاية الأمر في تقدير التشبيه فيها ، أن يقال : إن هجاءك لهذه القبيلة لا يؤثر كما أن بولك في مجتمع البحرين لا يجدى ولا يكون نافعا ، وأنت إذا قدرت التشبيه فيما ذكرناه ، فقد عزلت هذه الاستعارة عن سلطانها ، ووضعتها عن حلولها في رفيع مكانها ، ومن هذا قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] فإن تقدير التشبيه يخرجه عن رونق الاستعارة ويسلبه منها ثوب الإمارة ، ومن هذا قول الفرزدق أيضا : قوارص تأتيني فيحتقرونها * وقد يملأ القطر الإناء فيفعم شبه ما يأتيه من الشتائم والأذايا بهذه القوارص التي تؤذى الجسم من البعوض ، والنمل ، والبق ، فتقدير التشبيه فيما هذا حاله يدق كما ذكرناه في غيره . ومنه قول البحتري أيضا في التعزية بولد : تعز فإن السيف يمضى وإن وهت * حمائله عنه وخلاه قائمه فما هذه صورته فهو من فن الاستعارة ، وإنما يقدر التشبيه فيه بلطف واحتيال ، فهاتان الصورتان الأحق بهما أنهما من باب الاستعارة كليهما ، ولا حاجة بنا إلى جعلهما من باب التشبيه ، فمن صيرهما منه فإنما هو متكلف فيما جاء به . الدرجة الثالثة للصورة الثانية والثالثة ، فإنها متوسطة بين الدرجتين ، فلا هي تقرب من التشبيه كالصورة الأولى ، ولا هي بعيدة من التشبيه كالرابعة والخامسة ، والمثال فيها قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الكمأة جدرى الأرض » وقول أمير المؤمنين كرم الله وجهه في صفة الدين والإسلام « فهو عند الله وثيق الأركان ، رفيع البنيان ، منير البرهان ، مشرق المنار عزيز السلطان » فأنت إذا أردت إظهار التشبيه فيما هذا حاله قلت في الخبر النبوي الكمأة للأرض كالجدرى ، وهكذا تقول في كلام أمير المؤمنين أركانه كأوثق ما يكون من الأركان ، وبنيانه كأرفع ما يكون من الأبنية ، وبرهانه كأنور ما يكون ، إلى غير ذلك من التقدير ، ومن هذا قول البحتري : غمام سحاب لا يغب له حيا * ومسعر حرب لا يضيع له وتر فإذا قدرت في هذا أداة التشبيه فإنك تقول : سماح كالغمام ، وحرب هولها كالمسعر ، وهو موقد النار ، وكقول أبى تمام : أي مرعى عين ووادى نسيب * لحبته الأيام في ملحوب ومراد أبى تمام أن يصف هذا الموضع بأنه كان حسنا فأزالت الأيام حسنه وأنه كان