يحيي بن حمزة العلوي اليمني

143

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وكما ورد في الحديث عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « المؤمن كالسنبلة ، تعوج أحيانا ، وتقوم أخرى » أراد بذلك أنه لا يخلو في تصرفه عن أن يكون مستقيما على الدين فذلك حال الاستقامة ، أو يكون مقارفا للذنب ، فتلك حالة الاعوجاج وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « المؤمن كخامة الزرع » « 1 » أراد أنه غافل عن أكثر المداخل ، مشغول بما هو فيه من أمر الدين عن التفطن للأمور كالزرعة بين الزرع الكثيف ، فإنه إذا غلظ عليها لم تكن بارزة للريح والشمس فتحصل لها الصلابة ، فتراه في جميع مجاريه لا بدّ من إفادته للبلاغة ومراعاتها فيه . المقصد الثاني في إفادته للإيجاز وهذا ظاهر ، فإنك إذا قلت زيد كالأسد ، فإن الغرض تشبيهه بالأسد في شهامة النفس ، وقوة البطش ، وجراءة الإقدام ، والقدرة على الافتراس ، وغير ذلك من الصفات الفاخرة ، فقد استغنيت بذكر لفظ الأسد عن أن تقول : زيد شهم شجاع قوى البطش جرىء الجنان قادر على الاعتداء ، فهذا هو الذي نريده بالإيجاز ، ومن الاختصار العجيب والإيجاز البليغ في التشبيه قوله تعالى : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ [ الكهف : 45 ] فانظر إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من أنواع التشبيهات . أشياء بأشياء في معان وأوصاف بحيث لو فصلت لاحتاجت إلى شرح ، مع اختصاصها بجزالة اللفظ ، وبراعة النظم ، وبلاغة المعاني وحسن السياق ، ومن الإيجاز قول البحتري : تبسم وقطوب في ندى ووغى * كالرعد والبرق تحت العارض البرد فما هذا حاله من جيد التشبيه وغريبه الموجز غاية في الإيجاز ، وكما قال أبو نواس في صفة الخمر : وإذا علاها الماء ألبسها * حببا شبيه خلاخل الحجل حتى إذا سكنت جوامحها * كتبت بمثل أكارع النمل وكقول أبى نواس في تشبيه الحبب أيضا : فإذا ما اعترضته العي * ن من حيث استدارا خلته في جنبات ال * كأس واوات صغارا فهذه التشبيهات كلها في غاية الإيجاز والاختصار كما ترى .

--> ( 1 ) حديث صحيح متفق عليه ، وانظر تخريجه وشرحه في شرح الطيبي على المشكاة بتحقيقنا ح / 1541 .