يحيي بن حمزة العلوي اليمني

14

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وأعلاه . وهذا هو المراد من البلاغة . فقد افترقا مع إشراكهما في تعليقهما بالتركيب . ومن هاهنا امتاز قوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] عما يؤثر عن العرب من قولهم « القتل أنفى للقتل » . ومن أحاط علما بالفصاحة ، وتغلغل فكره في إحراز أسرارها ، عرف أن بين ما ورد في التنزيل ، وبين ما أثر عن العرب فيما أوردناه من المثال في الفصاحة والبلاغة ، بونا لا تدرك غايته ، وبعدا لا يحصر تفاوته ، ولهذا فإنه من كان من المفسّرين نظره في تفسير كلام اللّه مقصورا على معرفة المعاني الإعرابية ، وبيان مدلولات الألفاظ الوضعية لا غير ، من غير بيان ما تضمنه من أنواع الفصاحة والبلاغة ، وتقرير مواقعهما الخاصة . فإنه يعدّ مقصّرا في تفسيره لكونه قد أخلّ بمعظم علومه ، وأهملها وأعرض عن أجلّ مقاصده وتركها . وهو معرفة الإعجاز ، لأنه موقوف على ما ذكرناه من معرفة الفصاحة والبلاغة جميعا . ومن اعتمد في تفسير كلام اللّه على ملاحظة جانب الفصاحة والبلاغة ، ونزّل المعاني القرآنية عليها ، سلم عن أكثر التأويلات النادرة ، وبعد عن حمله على المعاني الركيكة التي وقع فيها كثير من المفسرين كما هو مذكور في كتبهم . المطلب الثالث في بيان منزلته من العلوم وموقعه منها اعلم أن الكلام في منزلة الشئ من غيره إنما يكون فيما يظهر فيه التقارب في الجنسية . فأما مع تباعد الحقائق وتباينها فلا يقال ذلك . ولهذا يقال أين منزلة الإنسان من الحيوان ، ولا يقال أين منزلته من الأحجار . فنحن إنما نذكر منزلة علم البيان من العلوم الأدبية دون غيرها من سائر العلوم . فإذا تقرر هذا فنقول العلوم الأدبية على أربعة أنواع : فالنوع الأول منها : علم اللغة العربية وهو علم بمعانى الألفاظ المجردة . فإن حاصله استفادة المعاني المفردة من الأوضاع اللغوية . فالعلم بأن الإنسان والفرس والجدار وغيرها من الألفاظ موضوعة لهذه الحقائق المفردة ، إما بالتوقيف ، وإما بالمواضعة ، أو يكون بعضها بالتوقيف ، وبعضها بالمواضعة ، أو الوقف في ذلك . وتجويز هذه الاحتمالات من غير قطع في واحد منها إلى غير ذلك من الخلاف فيها ليس من همّنا ذكره لخروجه عن مقصدنا . النوع الثاني : علم الإعراب . وهو علم بالمعاني الإعرابية الحاصلة عند العقد ،