يحيي بن حمزة العلوي اليمني

113

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

مصيبة يلقاها بصبر جميل » فاستعار الجرعة لما يكابده الإنسان عند ملابسة الغيظ ومقاساة الأحزان ، وخص الجرعة لأن هذه الأمور كلها تخص القلب وتقع عليه كما تقع الجرعة عليه عند شربه ، وهي استعارة لطيفة يعقلها أهل الكياسة ، وينظر لها الأذكياء ، ومن ذلك قوله عليه السلام : « المؤمن والكافر لا تتراءى نيرانهما » فاستعار ذلك إعلاما لما بينهما من البعد والانقطاع في جميع الأحوال لأنهما إذا تباعدا في الدين ، فما وراء ذلك يكون أبعد وأعظم في الانقطاع ، وفي هذا إشارة إلى أن الإيمان أعظم الوصل فيما بين المسلمين ، وأن الافتراق فيه لا وصلة بعده ، ولهذا استعار له النار لأنها ترى من الأمكنة البعيدة ، ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وآله « قيدوا القرآن بالدرس فإن له أوابد كأوابد الوحش » فاستعار ذكر الأوابد وهي الحيوانات الوحشية لما فيها من النفار وشدة الشرود لذهاب هذه المحفوظات عن القلب إذا لم تكن راسخة فيه بشدة الدرس لها ، ومجازات الأخبار النبوية واسعة الخطو وقد وقفت على المجازات النبوية للسيد الشريف علي بن ناصر ، ولقد أتى فيها بالعجب العجاب ولباب الألباب ، وفي كلامه دلالة على ما اختص به من الفضل والإحاطة بالبلاغة وتبحره في علومها . النوع الثالث في الاستعارة المأخوذة من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، فمن بليغها وأغربها قوله عليه السلام « وأيم الله لأقودن الظالم بخزامة حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها » فانظر إلى هذه النكتة من كلامه ما أعظم موقعها في الدين ، وأرضاها لله وأشجاها في حلوق الظلمة ، وأرسخ قدمها في البلاغة ، وقد اشتملت على استعارات ثلاثة ، الخزامة ، والانقياد ، والمنهل ، وما أعجب توشحها في قالب نظمها وحسن سياقها ، فإنه لما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الخزامة ، ولما ذكر الورود عقبه بما يناسبه من المنهل ، وهذا هو سر التوشيح ، وحقيقة جوهره ، ومن أرق الاستعارة وألطفها ما قاله عليه السلام : يشير به إلى نفسه وأولاده من بعده « نحن الشعار والخزنة والأبواب ، لا تؤتى البيوت إلا من أبوابها ، فمن أتاها من غير بابها سمى سارقا » . فتفكر في هذه الكلمات القصيرة وما اشتملت عليه من المعاني وانطوت عليه من الأسرار والرموز في فضل أهل البيت وعلو درجتهم عند الله تعالى ومكانتهم من الشرف