يحيي بن حمزة العلوي اليمني
110
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
دقيقة اعلم أنك إذا حققت النظر في الاستعارة في مثل قولك لقيت الأسد ، وجاءني البحر ، علمت قطعا أن التجوز إنما كان في جهة المعنى دون اللفظ من حيث اعتقدت أن ذات زيد ذات الأسد ، من غير مخالفة ، ومن أجل هذا قال أهل التحقيق من علماء المعاني : إن استعمال المجازات يكون أبلغ في تأدية المعاني من استعمال الحقائق ، ولهذا فإنه يقال عند ذاك جعله أسدا وبحرا كما يقال جعله أميرا . فإن زعم زاعم أن المراد بالجعل هاهنا التسمية كقوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] أي سموا ، والمفعول الثاني من فعل سمى أبدا يكون المراد به اللفظ دون المعنى ، كقولك سميت ولدى عبد الله ، إذا وضعت عليه هذا الاسم ، فجوابه أنا لا نسلم أنهم أرادوا التسمية ، بل اعتقدوا للملائكة صفة الأنوثة ، وأثبتوها لهم ، ومن أجل هذا الاعتقاد صدر من جهتهم إطلاق اسم البنات في قوله تعالى : أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [ الطور : 39 ] ولم يكن ذمهم من أجل إطلاق لفظ البنات والأنوثة على الملائكة من غير اعتقاد لمعنى الأنوثة ، بل كان الإنكار عليهم من أجل اعتقادهم لها فيهم ، ومصداق ذلك قوله تعالى : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ [ الزخرف : 19 ] فهذا ما أردنا تقريره في ماهية الاستعارة والحمد لله . البحث الثاني في إيراد الأمثلة فيهما اعلم أن الأمثلة هي تلو الماهيات في تقرير الحقائق وبيانها ، فلأجل هذا أوردناها على إثر كلامنا في الماهية ليتضح الأمر فيما نريده من ذلك ، وجملة ما نورده من أمثلة الاستعارة أنواع خمسة . النوع الأول الاستعارات القرآنية اعلم أن من حق الاستعارة وحكمها الخاص أن يكون المستعار له مطوى الذكر ، وكلما ازداد خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ، فإن أدخلت على الاستعارة حرف التشبيه فقلت في قولك رأيت أسدا ، رأيت رجلا كالأسد ، فقد وضعت تاجها ، وسلبتها ديباجها .