يحيي بن حمزة العلوي اليمني
106
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المشبه ، كقولنا زيد أسد ، فإنك ما ذكرت زيدا باسم الأسد ، بل ذكرته باسمه الخاص له ، فلا جرم ليس ذلك من الاستعارة وقولنا وإثبات ما لغيره له ، ذكرناه ليدخل فيه الاستعارة التخييلية ، وقولنا لأجل المبالغة في التشبيه ، ذكرناه من الحد ، وهو فاسد لأمرين ، أما أولا فلأنه ذكر التشبيه قيدا في الحد ، وبذكره يخرج عن حد الاستعارة ، لأنها مخالفة للتشبيه في ماهيتها وحكمها ، فلا يدخل أحدهما في الآخر ، وأما ثانيا فلأنه أورد فيه لفظ التعليل ، وهو قوله لأجل المبالغة ، والحد إنما يراد لتصور الماهية مطلقة من غير تعليل فبطل ما قاله . التعريف الخامس وهو المختار ، أن يقال تصييرك الشئ الشئ وليس به ، وجعلك الشئ للشيء وليس له بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة ولا حكما ، ولنفسر هذه القيود ، فقولنا « تصييرك الشئ الشئ وليس به وجعلك الشئ للشيء وليس له » شامل لنوعى الاستعارة ، فالأول كقولك لقيت أسدا ، وأتيت بحرا ، والثاني كقولك رأيت رجلا أظفاره وافرة ، وقصدت رجلا تتقاذف أمواج بحره ، وفلان بيده زمام الأمر ، وقولنا « بحيث لا يلحظ فيه معنى التشبيه صورة » كقولك زيد كالأسد ومثل البحر ، فإن ما هذا حاله ليس من باب الاستعارة في شيء لما يظهر فيه من صورة التشبيه ، وأحد البابين مغاير للآخر فلا يمزج أحدهما بصاحبه ، وقولنا « ولا حكما » يحترز به عن صورة واحدة ، وهي قولنا زيد أسد ، وعمرو بحر ، فهل يعد هذا من باب الاستعارة ، أو يكون معدودا في التشبيه ، فأكثر علماء البيان على عده من باب التشبيه ، وإدخاله في حيرة ، ومنهم من زعم أنه معدود في الاستعارة لتجرده من آلة التشبيه ، فصار الأمر في الاستعارة والتشبيه جاريا على ثلاثة أوجه ، أولها أن يكون استعارة باتفاق ، وهذا كقولك رأيت قمرا نوره على الناس ، وشمسا ضياؤه على الخلق ، وثانيها تشبيه بلا خلاف ، وهو ما ظهرت فيه أداة التشبيه كقولك زيد مثل البحر ، ومثل الأسد ، وثالثها وقع فيه خلاف ، هل يعد من الاستعارة أو يكون معدودا من التشبيه ، وهو ما كان مضمر الأداة ، وهذا كقولك زيد أسد ، وعمرو بحر ، وغير ذلك وسيأتي لهذا مزيد تقرير في التفرقة بين الاستعارة والتشبيه . فهذا ما أردنا ذكره في ماهية الاستعارة ومفهومها .