عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
390
طبقات شعراء المحدثين
في أشد ما يكون من الحرّ ، وعلى رأسه سمّوريّة ، وحواليه جماعة يكتبون عنه . وقام المستملي بين القوم فجلست أسمع ، فقال له واحد : يا أبا العبر ، لم صار دجلة أعرض من الفرات ، والقطن أبيض من الكمأة « 1 » ؟ فقال : لأن الشاة ليس لها منقار ، وذنب الطاوس أربعة أشبار . وقال له آخر : لم صار العطّار يبيع اللّبد وصاحب السّقط « 2 » يبيع اللبن ؟ قال : لأن المطر يجيء في الشتاء ، والمنخل لا يقوم به الماء . وقال آخر : لم صار كلّ خصيّ أمرد « 3 » ، والماء في حزيران لا يبرد ؟ فقال : لأن السفينة تجنح « 4 » . والحمار يرمح « 5 » . ومرّ له في مثل هذا من الجهالات ما لا يعلمه إلا اللّه . وكان يمدح الخلفاء ويهجو الملوك بمثل هذه الركاكة وكان يؤمّر على الحمقى فيشاورونه في أمورهم كأبي السّواق وأبي الغول وأبي الصبارة وطبقتهم من أهل الرقاعة . وهو القائل : أنا أنا أنت أنا * أنا أبو العبرنّه أنا الغنى الحمقوقوا * أنا أخو المجنّة أنا أحرر شعري * وقد يجي بردنّه فلو سمعت شعري * في الدس والوترنه لسقر قر سقر نفر * وما تارنّه لكنت تضحك حتّى * تمسّك البططنّه وله « 6 » عجائب كثيرة من هذا الشأن لا حاجة بنا إلى استقصائها « 7 » إذ كان لا نفع فيها ، وإنما أحببنا أن لا نترك شيئا مما ذكره أحد مدح في هذه الدولة خليفة وذكر في الشعراء ، وكفى ما أوردناه من شعره ونوادره .
--> ( 1 ) الكمأة : جنس فطر من الكمئيات يعيش تحت الأرض لونه يميل إلى الغبرة . ( 2 ) السّقط : ما لا خير فيه من كلّ شيء ، والسقط رديء المتاع . ( 3 ) الأمرد : الذي طرّ شاربه ولم تنبت لحيته . ( 4 ) جنحت السفينة : بلغت ماء رقيقا فلصقت بالأرض . ( 5 ) يرمح الحمار : يرفس . ( 6 ) وله : وفي رواية لهذا . ( 7 ) الاستقصاء : بلوغ الغاية في البحث عن مسألة ما .