عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
346
طبقات شعراء المحدثين
والعجز عن النكاح وكان يقال : إنه يقصّر عنه التّيس . وجحشويه كان يصف نفسه بالأبنة « 1 » وكان ينزو « 2 » على الحمير فضلا عن غيرها . وابن حازم يصف نفسه بالقناعة والنزاهة وكان أحرص من الكلب ، كان يركب النيل « 3 » في درهم واحد فضلا عن غيره . وهو أجود الشعراء لفظا وألطفهم معنى ، وهو القائل : إنّ الأمور إذا سدّت مسالكها * فالصّبر يفتق منها كلّ ما ارتتجا « 4 » لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة * إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته * ومدمن القرع للأبواب أن يلجا « 5 » اطلب لرجلك قبل الخطو موضعها * فمن علا زلقا عن غرّة زلجا « 6 » وذكر على خلاف ما وصفنا من حرصه وكلبه « 7 » فعل عجيب يدلّ على كبر الهمة وشرف النفس . وهو أنه كان ألحّ على محمد بن حميد بن قحطبة يهجوه الهجاء المؤلم الذي يؤذيه ، فكان يتلافى الأمر معه بكل حيلة ولا ينجع فيه ، فعمد إلى بدرة فيها عشرة آلاف درهم ، وتخت فاخر من الثياب ، وفرس عتيق ، ووصيف رائع ، فوجّه إليه بجميع ذلك مع ثقة له ، وكتب إليه رقعة يحلف فيها أنه ما يعلم بذلك غيره وغير رسوله ، ويقول له فيها : أمالك أن تقبل هذه وتكفيني أمرك وتكفّ عني ؟ قال : فرد جميع ذلك وكتب إليه في ظهر رقعته : وفعلت فعل ابن المهلّب إذ * كعم الفرزدق بالنّدى الغمر « 8 » لا أقبل المعروف من رجل * ألبسته عارا على الدّهر وبعثت بالأموال ترغبني * كلّا وربّ الحشر والنشر
--> ( 1 ) الأبنة : العيب . ( 2 ) ينزو : يثب ، ونزا الذكر على الأنثى سفدها . ( 3 ) النيل : وفي رواية الميل . ( 4 ) المسالك : الدروب والطرق - يفتّق ( الشيء ) : يشقّه والمراد استخراج الحلول والحيل ، وقوله : يفتق ما ارتج أي يفتح ما كان مغلقا . ( 5 ) أخلق به : من الأخلق وهو الأجدر - مدمن القرع : الذي يداوم عليه ، والقرع للأبواب : الدقّ عليها - أن يلج : أن يدخل . ( 6 ) زلج : زلق . ( 7 ) الكلب : داء يأخذ الكلاب يشبه الجنون ، والكلب هنا الشرّ والأذى . ( 8 ) كعم الفرزدق : من كعم البعير إذا شدّ فمه لئلا يعضّ - الندى : العطاء والجود - الغمر : الكثير .