عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
318
طبقات شعراء المحدثين
وحواليه من الدفاتر ما غرق فيه فما يكاد يرى ، فوقفت ساعة لا يعلم بمكاني لما هو فيه ، ثم رفع رأسه فنظر إليّ وسلم عليّ ، فقلت له : يا أبا تمام إنك لتنظر في الكتب كثيرا وتدمن الدرس فما أصبرك عليها ! فقال : واللّه ما لي إلف غيرها ولا لذة سواها ، وإني لخليق إن أتفقّدها أن أحسن . وإذا بحزمتين : واحدة عن يمينه وواحدة عن شماله ، وهو منهمك ينظر فيهما ويميزهما « 1 » من دون سائر الكتب ، فقلت : فما هذا الذي أرى من عنايتك به أوكد من غيره ؟ قال : أما التي عن يميني فاللّات ، وأما التي عن يساري فالعزّى ، أعبدهما منذ عشرين سنة . فإذا عن يمينه شعر مسلم بن الوليد صريع الغواني ، وعن يساره شعر أبي نواس . ومما يستملح من شعره - وشعره كله حسن - داليته في المأمون التي أولها : كشف الغطاء فأوقدي أو أخمدي وهي أشهر من الفرس الأبلق « 2 » ، وكذلك كل ما نذكر من قصائده هاهنا ، فإنا نقتصر على ذكر أوائلها نحو قوله : وأبي المنازل إنها لشجون وقوله : سرت تستجير الدمع خوف نوى « 3 » غد وقوله : متى أنت عن ذهليّة القوم ذاهل وقوله : أصغى إلى البين معتزّا فلا جرما وقوله : دمن ألمّ بها فقال سلام وقوله : بدّلت عبرة من الإيماض « 4 » وقوله : الحقّ أبلج والسيوف عوارى « 5 » وقوله : السيف أصدق إنباء من الكتب « 6 »
--> ( 1 ) يميزهما : وفي رواية يميز منها ، وقوله يميزهما : أي يفضلهما . ( 2 ) الأبلق : الأبيض . ( 3 ) النّوى : البعد ، والوجه الذي يذهب فيه وينويه المسافر . ( 4 ) العبرة : الدمعة - الإيماض : الومض وهو لمع البرق الخفيف . ( 5 ) الأبلج : الظاهر والواضح ، والأبلج الأبيض والحسن . ( 6 ) هذا مطلع قصيدة أبي تمّام بمناسبة فتح عموريّة ، وهي التي مدح بها الخليفة المعتصم