عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

315

طبقات شعراء المحدثين

وحدّثني إبراهيم بن منصور النحوي قال : حدّثني ابن أبي العلاء قال : فاخر رجل من الجلّة « 1 » يوما ابن يسير فقال له الرجل : يا هذا ، أتفاخرني وقد ركب جدّي إلى الصيد في أربعة آلاف جارية ، على أربعة آلاف برذون أشهب ، على يد كلّ جارية بازيّ أبيض يصطاد الطواويس من أفرخة « 2 » الزعفران ؟ قال ابن يسير : ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ . فحمله الرجل على برذون أشهب فاره ، وأمر له بجارية حسنة ، وكساه ثوب خزّ طاوسيّ ، وحمّله معه سلّة زعفران . ثم قال : إن كان ما قلته باطلا فما فعلته حق . قال ابن يسير : ما قلت أيضا حقّ . ومما يستحسن لابن يسير وسار له في العرب والعجم قوله : لولا البنيّة لم أجزع من العدم * ولم أجب في الليالي حندس الظّلم « 3 » وزادني رغبة في العيش معرفتي * ذلّ اليتيمة يجفوها ذوو الرّحم أخشى فظاظة عمّ أو جفاء أخ * وكنت أخشى عليها من أذى الكلم إذا تذكّرت بنتي حين تندبني * جرت لعبرة بنتي عبرتي بدم « 4 » تهوى بقائي وأهوى موتها شفقا * والموت أكرم نزّال على الحرم وهذه ألفاظ كما سمعت في عذوبة الماء الزلال ، ومعان أرقّ من السحر الحلال . ومما يستحسن له قوله : تخلّى بهمّ في الفؤاد دخيل * وأقلقه عزم النّوى برحيل وأبدى له وجه المنيّة بغتة * صدود حبيب وانحراف خليل « 5 » وساوره سقم وأسهره هوى * وروحة واش وابتكار عذول « 6 » وأسلمه صبر وبان عزاؤه * فصودف حيّا في عيان قتيل

--> ( 1 ) الجلّة : السادة العظام . ( 2 ) الأفرخة : جمع فرخ وهو ولد الطائر وكل صغير من النبات أو الحيوان . ( 3 ) لم أجب : لم أقطع - الحندس : الظلمة أو الليل الشديد الظلام . ( 4 ) تندبني : تبكيني - العبرة : الدمعة . ( 5 ) الصدود : الهجران والقطيعة - الانحراف : الاجتناب والتباعد - الخليل : الصاحب . ( 6 ) السقم : المرض - الواشي : العدو النمّام - العذول : اللائم .