عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
262
طبقات شعراء المحدثين
ومما سار له قوله : بسطت كفّي نحوكم سائلا * ما ذا تردّون على السائل إن لم تنيلوه فقولوا له * قولا جميلا بدل النّائل أو كنتم العام على عسرة * ويلي فمنّوه إلى قابل ولهذا الشعر من قلوب النساء موقع الزّلال البارد من الظمآن لرقّته . وحدّثني أبو البلاد عن الأخوص الأصغر قال : كانت عتبة التي يشبب « 1 » بها ويظهر عشقها أبو العتاهية جارية لرائطة بنت أبي العبّاس السفاح ، وكانت رائطة تحت ابن عمها المهدي بن المنصور أمير المؤمنين ، فلما بلغ المهديّ إكثاره في شعره من ذكرها ووصفها غضب وقال : ما يجد هذا الجرّار أحدا يعبث بحرمه غيرنا ؟ وكان أبو العتاهية قديما يبيع الجرار في سوق الكوفة ، ثم تأدب فارتفع بأدبه . قال : فأمر بحبسه ، فعمل أبو العتاهية من قبل يزيد بن منصور خال المهديّ - وكان من أعز الناس عليه - حتى تخلص ، فعاد إلى مثل حاله معها ، فلما طال هذا دخلت رائطة على المهدي فشكته وقالت : قد شهّر جاريتي بشعره وفضحها ، وأحفظته عليه ، فأحضره وضربه بالسياط في الدواوين بين يديه ، وكان ضعيف البنية فغشي عليه ، فلما أفاق رفع رأسه فإذا بعتبة واقفة تنظر إليه من سطح فقال : بخ بخ يا عتب من مثلكم * قد قتل المهدي فيكم قتيل « 2 » فتعجب المهدي ورقّ له ورحمه ، وأمر بالإحسان إليه ، ووعده بالجارية أن يستوهبها من مولاتها ويدفعها إليه ، فلما علمت الجارية ذلك ، وألحّ أبو العتاهية على المهدي يقتضيه ما وعده بشعره ، قالت : يا أمير المؤمنين أستجير في مروءتك وشرفك وما يلزمك من حقّ خدمتي وصحبتي أن تخرجني من دار النعمة إلى بائع جرار سوقيّ دنيء النفس . وبعد ، فإنما يريد الذّكر والشهرة ، وليس بعاشق ، فإن أردت أن تعرف ما يقول فمر له بمال له خطر ، فإنه سيلهيه عنّي ويشغله عن ذكري . فأمر له المهدي بمائة ألف ، ولم يسمّ ورقا ولا عينا . فأورد أبو العتاهية توقيعه بذلك على الكتّاب ، فأعطوه مائة ألف درهم على أنه لم يسمّ شيئا ، فأبى
--> ( 1 ) شبّب بها : تغنّى بمحاسن جمالها ، تغزّل بها . ( 2 ) يا عتب : ترخيم يا عتبة .