عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
251
طبقات شعراء المحدثين
فلم يزل مستترا بها حتى مات الرشيد ، فرددته وزدت في عطائه ونزله . قال : وحدّثت أن بكرا لما ورد على أبي دلف وقد مدحه ، دعا به وقال : أنشدني . فأنشده ، حتى إذا بلغ الموضع الذي يستمنحه فيه ويسأله قال : فأين ما قلت : ومن يفتقر منّا يعش بحسامه * ومن يفتقر من سائر الناس يسأل فخجل بكر وأطرق مليّا ، ثم قال : يا أيها الأمير ، لو كان تحتي فرس من خيلك ، وفي يدي قناة من رماحك ، وتقلّدت سيفا من سيوفك ، لما قمت هذا المقام . قال : فدعا بجميع ما ذكره ، وهميان فيه خمسمائة دينار ثم قال : امض فصدّق قولك بفعلك . فخرج من بين يديه . وأخذ في طريق همذان « 1 » يريد الجزيرة ، فلما كان على مسيرة ثلاث من الكرج « 2 » ، استقبله مال عظيم ، قد حمل إلى أبي دلف من بعض نواحي أعماله ، ومعه فرسان من رجاله ، فشدّ عليهم ، فقتل بعضهم ، وهزم الباقين ، واستولى على المال فذهب به . فلما بلغ الخبر أبا دلف ضحك وقال : لا نلوم إلّا أنفسنا . نحن بعثناه على ذلك . وممّا يختار من شعره قوله لأبي دلف : فكفّك قوس والنّدى وتر لها * وسهمك فيه اليسر فارم به عسري « 3 » وقوله أيضا : ولقد طلبنا في البلاد فلم نجد * أحدا سواك إلى المكارم ينسب ومن طريف الشعر وبديعه قوله لأبي دلف : نادى نداك فاتوا هم إذا أمرا * أن يدعوا فأهّبا كلّ مستمع زوروا الأمير وبيت اللّه تنتفعوا * فاختار وجهك فينا كلّ منتفع
--> ( 1 ) همذان : من مدن الإقليم الرابع في فارس افتتحها العرب بقيادة المغيرة بن شعبة سنة 24 من الهجرة ( 644 م ) وهي كما وصفت من أحسن البلاد وأنزهها وأطيبها ( معجم البلدان لياقوت 5 / 472 ) . ( 2 ) الكرج : مدينة بين همذان وأصبهان في نصف الطريق وإلى همذان أقرب . . . ( معجم البلدان لياقوت 4 / 506 ) . ( 3 ) النّدى : الكرم - اليسر : السهولة وهو ضد العسر - شبّه كفّ ممدوحه بالقوس وجعل نداه أي كرمه وترا ، والسهم يسرا وطلب إليه أن يرمي بهذا السهم عسره ليرديه .