عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
246
طبقات شعراء المحدثين
فضة ، فوقه أثفيّة ذهب ، في وسطها تمثال أسد رابض ، في عينيه ياقوتتان تتوقدان ، وفوق الصينية إبريق زجاج فرعونيّ ، وكأس كأنها جوهرة محفورة ، تسع رطلا ، لا أظنها يفي بها مال كثير ، وهو على سرير من عاج ، وأنا عليّ ثياب قطن . فسلمت عليه فردّ السلام وقال لي : يا أصمعيّ . ليس هذا من ثياب هذا اليوم . قلت : أصلح اللّه الوزير : إنما يلبس الرجل ما يجد ، فقال : يا غلام ألق عليه شيئا من الوبر ، فأتيت بمثل ما عليه فلبسته حتى الجورب ، ثم أتي بخوان لم أدر ما جنسه ، غير أني تحيرت في جنسه ، وبصحفة مشمسة ، فيها لون من مخّ الطير ، فتناولنا منها . ثم تتابعت الألوان ، فأكلت من جميع ما حضر ، ألا والذي اصطفى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالرسالة ما عرفت منها لونا واحدا ، إلّا أني لم آكل في الدنيا شيئا يدانيها قطّ لذّة وطيبا عند خليفة ولا ملك . ثم رفع الخوان ، وأتينا بألوان من الطيب ، فغسلنا أيدينا ، وكنت كلّما استعملت منه لونا ظننته أطيب ما في الدنيا من عطر فاخر ، حتى إذا استعملت غيره زاد عليه طيبا ، فلما فرغنا من ذلك إذا غلام قد أقبل معه جام بلّور فيه غالية « 1 » ، قد ازرقّت بكثرة العنبر ، فتناولنا بملعقة من الذهب حتى نضحناه « 2 » ، فصرت كأني جمرة ، ثم قال : اسقنا ، فسقاه رطلا وسقاني مثله ، فما تجاوز واللّه لهاتي حتى كدت أطير فرحا وسرورا ، وصرت في مسلاخ « 3 » ابن عشرين طربا ودبّت الشربة فخثرت « 4 » ما بين الذؤابة والنعل « 5 » ، وكأن دبي « 6 » الجراد يثب ما بين أحشائي وثبا ، فلم أتمالك أن قلت : قاتل اللّه أبا نواس حيث يقول : إذا ما أتت دون اللّهاة من الفتى * دعا همّه من صدره برحيل فقال الفضل : هذا البيت له ؟ قلت : نعم يا سيدي ، قال : وليس إلا هذا البيت الواحد ؟
--> ( 1 ) الغالية : أخلاط من الطّيب . ( 2 ) نضحناه : من نضح ( ه ) بالماء : رشّه ، ونضح الجلد : بلّه . ( 3 ) المسلاخ : الجلد ، وهنا هيئة ابن عشرين وصورته . ( 4 ) خثرت : من خثر خثارة وتخثّر اللبن : ثخن واشتد فهو خاثر ( 5 ) ما بين الذؤابة والنعل : أي ما بين الرأس والقدم . ( 6 ) الدبى : أصغر الجراد ، وفي رواية دب الجراد .