عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

221

طبقات شعراء المحدثين

عوف إلى حاله التي كان عليها مع أبيه من الملازمة في الحضر والسفر ، واجتهد في التخلّص فلم يقدر على ذلك ، حتى خرج عبد اللّه بن طاهر من العراق يريد خراسان ، وعوف عديله في قبّة يسامره ويحادثه . فلما شارفوا الرّيّ « 1 » ، وقد أدلجوا « 2 » سحرة ، إذا بقمرى يغرّد على سروة « 3 » ، بأشجى صوت وأرقّ نغمة ، فالتفت عبد اللّه إلى عوف فقال : يا أبا محلّم ، أما تسمع هذا الصوت ؟ ما أرقّه وأشجاه ! قاتل اللّه أبا كبير الهذلي حيث يقول : ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر * وغصنك ميّاد ففيم تنوح قال عوف : أحسن واللّه أبو كبير وأجاد أيها الأمير . كان في هذيل أربعون شاعرا مذكورا محسنا سواء المتوسطين ، وكان أبو كبير - من أظهرهم وأقدرهم على القول . قال عبد اللّه : عزمت عليك إلّا أجزت هذا البيت . قال عوف : أصلح اللّه الأمير ، شيخ مسنّ وأحمل على البديهة ، وعلى معارضة مثل أبي كبير ، وهو من قد علمت ! قال عبد اللّه : عزمت عليك وسألتك بحق طاهر إلّا فعلت . فأنشأ يقول : أفي كلّ عام غربة ونزوح * أما للنّوى من ونية فتريح « 4 » لقد طلّح البين المشتّ ركائبي * فهل أرين البين وهو طليح « 5 » وأرّقني بالرّيّ نوح حمامة * فنحت وذو اللبّ الحزين ينوح على أنها ناحت فلم تر عبرة * ونحت وأسراب الدموع سفوح « 6 » وناحت وفرخاها بحيث تراهما * ومن دون أفراخي مهامه فيح « 7 » ألا يا حمام الأيك فرخك حاضر * وغصنك ميّاد ففيم تنوح « 8 » عسى جود عبد اللّه أن يعكس النوى * فتضحي عصا التّسيار وهي طريح

--> ( 1 ) الريّ : مدينة قديمة جنوبي طهران فتحت زمن ابن الخطاب سنة 19 ه ( 635 م ) . ( 2 ) أدلجوا سحرة : ساروا في آخر اللّيل وقت السحر . ( 3 ) السروة : واحدة السرو وهو جنس شجر من الصنوبريّات . ( 4 ) النزوح : الغياب عن الديار - النّوى : البعد - الونية : الفتور . ( 5 ) طلّح : ألحّ - البين : الفراق - المشتّ : المفرّق - يتمنى أن يرى البيّن الذي شتته متعبا عييا . ( 6 ) العبرة : الدمعة - الدموع سفوح : مسفوحة أي منسكبة . ( 7 ) المهامة : جمع مهمة وهو الفلاة أو المفازة لا ماء فيها ولا نبات - الفيح : الواسعة جمع الأفيح والفيحاء . ( 8 ) الغصن الميّاد : المتمايل .