عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

178

طبقات شعراء المحدثين

ليالي رأسي غراب غداف * فطيّره الشّيب عنّي فطارا ولا يبعد اللّه ذاك الشباب * وإن كان لا هو إلّا ادّكارا فأصبح مونعه ممحلا * جديبا خرابا يبابا قفارا « 1 » وإمّا مشايخ قد أفحشت * فلا أنا أستطيع منها اعتذارا أجارتنا إن ريب الزما * ن قبلي أفنى الرجال الخيارا وهازئة إذ رأت كبرة * تلفّع رأسي بها فاستنارا فإمّا ترى لمّتي هكذا * فأكثرت مما ترين النّفارا فقد أغتدى وهي همّ الحسان * وقد أسلب العطرات الخمارا « 2 » وقد كنت أسحب ذيل الصّبا * وأرخي على العقبين الإزارا « 3 » ورقراقة لا تطيق القيا * م إلّا رويدا وإلا ابتهارا « 4 » خلوت بها نتجارى الحدي * ث شيئا علانا وشيئا سرارا كأنّ على الشمس منها الخمار « 5 » * إذا هي لاثت عليها الخمارا وكان أبو حيّة تزوج ابنة عم له . فتوفيت عنه . وكاد يخرج عليها من الدنيا . وأشعاره الجياد كلها فيها وفي وصفها في حياتها ، ومراثيها بعد مماتها ، وما رأيت ذكيّا ولا عاقلا ولا كاتبا ظريفا إلّا وهو يتمثل من شعر أبي حيّة النميري بشيء . فمن ذلك قوله : فلمّا أبت إلّا اطّراقا بودّها * وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا شربت برنق من هواها مكدّر * وكيف يعاف الرنق من كان صاديا « 6 » وله أيضا : استبق دمعك لا يود البكاء به * واكفف بوادر من عينيك تستبق

--> ( 1 ) المونع : من ينع يينع ينوعا الثمر : أدرك وطاب وحان قطافه - الممحل : الذي أصابه المحل أي الجدب من أمحل المكان إذا أجدب فهو ممحل - اليباب : الخراب - القفار : جمع قفر وهو الأرض الخلاء لا ماء فيها ولا ناس ولا كلأ . ( 2 ) الخمار : ما تغطّي به المرأة رأسها . ( 3 ) العقبان : مثنى العقب وهو مؤخر القدم . ( 4 ) رويدا : أي برفق وتؤدة - الابتهار : مصدر ابتهر أي بالغ في الشيء ولم يدع جهدا . ( 5 ) لاثت عليها الخمار : لفّته أو عصبته . ( 6 ) الرّنق : الماء الكدر من رنق يرنق رنقا ورنوقا الماء أي كدر - صاديا : عطشا .