خليل الصفدي

4

صرف العين

الأحاديث في التاريخ ، والأدب ، ويبحث الأحكام التي تتعلق بها في العلوم العقلية والنقلية ، وينسق من أزاهير الطرف ، وثمرات الأحكام موسوعة بارعة ، يقدّمها للقارئ غذاء للنفس والعقل ، ومتعة للروح والقلب . بدأ بالقرآن الكريم ، والحديث الشريف ، وعلومهما ، من : تفسير ، وفقه ، وأصول ، فبيّن ما « للعين » فيها من معان وما لها من أحكام في شريعة اللّه . ومال إلى كتب اللغة يفتّش فيها معاني كلمة « العين » ويبحث ظاهرة المشترك اللفظي ؛ فشرح أسبابها ، وخصائصها ، وأحكام المشترك في الإفراد ، والتثنية ، والجمع ، وأوضح الفرق بينه وبين المترادف ، والمتواطئ . وعرّج على كتب الأدب ، يتتبّع استعمال الشعراء والأدباء « المشترك اللفظي » في أرفع إنتاجهم الأدبي ، وفي أروع أساليبهم البليغة ، وذلك فيما عرف باسم : التورية ، والاستخدام ، وفي الجناس ، والسجع ، والتوشيع ، وغيرها . وأغراه حبه العين بدراسة الطب ، ليتعرّف حقيقتها ، والأجزاء التي تتركب منها ، وهيئتها التي تكون عليها ، وعوارضها في الأحوال التي تنتابها ، والأدواء التي تصيبها ، والدواء الذي يشفيها . وأخيرا ، انتهى به حبه العين إلى دواوين الشعراء ، ومجاميع الأدباء ، ينتقى منها أجمل ما حوت من أبيات ، تطرب الأسماع بعذوبة ألفاظها ، وتسرّ النفوس بجمال أساليبها ، وروعة معانيها ، وموضوعها « العين » في أحوالها ، وتشبيهاتها ، وأثرها ، ويرتّب هذه الاختيارات ترتيبا هجائيا ؛ لتكون هي الغرض من تأليف الكتاب ، والغاية منه . عرفت هذا الكتاب ، وقرأته قراءة متعجّلة ، في الوقت الذي كنت مشغولا فيه بتحقيق كتاب « لذة السمع في صفة الدمع » ودراسته ، وتبين لي أنّ الكتابين موضوعهما واحد ، وهو العين ودموعها ؛ ويكمل أحدهما الآخر ، ورأيت من حقّه علىّ أن أتمّ ما بدأته ، وأن أحقّق الكتاب الثاني ، وأدرسه ، كالكتاب الأول ، فبحثت عن مخطوطاته في مظانّها ، فلم أجد له إلا مخطوطتين : الأولى في برلين . والثانية في إستانبول .