خليل الصفدي
100
صرف العين
وكما يكون المجاز عفويا ، قد يكون مقصودا ، وذلك في استعمال الموهوبين من الشعراء الممتازين ، والنابهين من الأدباء والمترسلين ، ويكون - عادة - وليد بيئته الطبيعية والثقافية ، وعصره ، وخاضعا في الوقت نفسه للذوق العام ، والتقاليد الفنية وبمرور الوقت يتناسى الناس هذه المجازات ، وتصبح من المعاني الحقيقية للكلمة ، وتعد من المشترك . 2 - تداخل اللهجات : لم يهتم اللغويون القدماء كثيرا ، ببيان اللهجات المحلّية ، في البيئات العربية المختلفة ؛ لاعتبارهم الجزيرة العربية كلها بيئة لغوية واحدة ، ولولا إشارات قليلة في المعاجم العربية ، وكتب اللغة ، وبخاصة كتب الأضداد ، وشروح شعر القبائل ، لولا هذه الإشارات القليلة لما أمكن معرفة شيء عن تلك اللهجات ، ولما أمكن تفسير اختلاف دلالة اللفظ الواحد على المعاني الكثيرة ، بل المتضادة أحيانا . يقول ابن السراج : « محال أن يصطلح أهل اللغة على ما يلبس ، دون ما يوضح ، وهذا ادّعاء من ادّعى أنّه ليس في لغة العرب لفظتان متفقتان في الحروف إلا لمعنى واحد ، لكنه أغفل أنّ الحي أو القبيلة ، ربما انفرد القوم منهم بلغة ، ليس سائر العرب عليها ؛ فيوافق اللفظ في لغة قوم - وهم يريدون معنى - لفظا آخر من لغة آخرين ، وهم يريدون معنى آخر ؛ ثم ربما اختلطت اللغات ، فاستعمل هؤلاء لغة هؤلاء ، وهؤلاء لغة هؤلاء ، فأصل اللغة قد وضعت على بيان وإخلاص ، لكل معنى لفظ ينفرد به » « 1 » . قال حيّان بن أبجر « 2 » : كنت عند ابن عباس رضى اللّه عنه فجاءه رجل من هذيل ، فقال له : ما فعل فلان - لرجل منهم - فقال : مات وترك كذا وكذا من الولد ، وثلاثة من الوراء ، يريد : من ولد الولد » ،
--> ( 1 ) فصول في فقه العربية 330 ، نقلا عن الاشتقاق ، لابن السراج 33 . ( 2 ) صحابي ، يعدّ في الكوفيين ، شهد صفّين مع الإمام على رضى اللّه عنه . انظر : التاريخ الكبير 1 / 2 / 58 ، والاستيعاب 1 / 317 ، وأسد الغابة 2 / 67 ، والوافي بالوفيات 13 / 224 ، والإصابة 1 / 363 .