علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
95
الصداقة والصديق
العيوب ، وهذا إلى اللّه الذي خلق الخلق ، ودبّر الشأن ، وتفرّد بالغيب ، وتعزّز بالقدرة ، وكما أن في السّنة الواحدة للزمان أحوالا في الحر المفرط ، والحر المتوسط ، والبرد المتوسط ، كذلك للدهر المديد أحوال في الخير العام ، والشرّ العام ، والخير الخاص ، والشر الخاص ، والعاقل من لا يتمنى ما لا يوجد ، ولكن يصبر على ما يجد إن حلوا فحلوا ، وإن مرّا فمرّا ، إلى أن يأذن اللّه بالفرج من حيث لا يحتسب . [ لذّات الدنيا ] قال معمر صاحب عبد الرزاق : ما بقي من لذّات الدنيا إلّا محادثة الإخوان ، وأكل القديد « 1 » ، وحكّ الجرب ، والوقيعة في الثقلاء . قال الشاعر : وما بقيت من اللذات إلّا * محادثة الرجال ذوي العقول وقد كانوا إذا عدّوا قليلا * فقد صاروا أقلّ من القليل [ وفاء ومخبر وورع ] قال الأحنف : لا خير في صديق لا وفاء له ، ولا خير في منظر لا مخبر « 2 » له ، ولا خير في فقه لا ورع معه . [ استخارة واستشارة واجتهاد ] قال العتبي : قال أعرابي : إذا استخار العبد ربّه ، واستشار صديقه ، واجتهد رأيه فقد قضى ما عليه لنفسه ، ويقضي اللّه في أمره ما أحبّ . [ الوثوق بالمودة ] توفي ابن ليونس بن عبيد فقيل له : إنّ ابن عون لم يأتك . فقال : إنّا إذا وثقنا بمودّة أخ لا يضرّنا أن لا يأتينا . [ المودة أصل ] وحدثني العروضي « 3 » قال : لما دعا السلطان علي بن عيسى « 4 » من مكة
--> ( 1 ) القديد : اللحم المقدّد . ( 2 ) المخبر : العلم بالشيء أو إدراكه بالخبر أو الاختبار لا بالنظر . والمخبر خلاف المنظر . ( 3 ) هو أبو محمد المقدسي العروضي من معاصري أبي حيّان التوحيدي ، ورد ذكره في المقابسات : 120 ، 134 ، 135 ، 156 ، 190 ، 191 . ( 4 ) هو علي بن عيسى بن داود بن الجراح وزير المقتدر ، توفي سنة 334 ه ، وله مصنفات -