علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
83
الصداقة والصديق
البصرة ، وما أفضى إليه إصعادي عنها على الوجه المشهور عند الصديق الجافي على العدو ، فسبح ظني في واد من الظّنّة « 1 » إن كان اللّه قد برأك منها فقد ابتلاني بها ، وإن كنت غنيا عنها فأنا فقير إليها ، وقد جدّ بي الفكر في تعرف ذلك منك ، فلسانك أنطق بالصدق من لسان العابد الزاهد ، وعقلك أعلى وأشرف من أن تتخذني غير شاكر ولا حامد ، وباللّه الذي لا إله إلا هو ، ما يقوم لي شعث « 2 » ما بيني وبينك في المنام بحيازتي جميع الأماني في اليقظة ، فإن رأيت أن تجعل لي إلى لقائك طريقا ، إمّا بالزيارة المشرّفة ، وإمّا بالاستزارة المستشرفة فعلت إن شاء اللّه . فأجابه أبو محمد : [ جواب ابن معروف ] بسم اللّه الرحمن الرحيم أما بعد : فإن الحال التي أشرت إليها ببيانك الناصع ، من أدبك البارع ، فهي واللّه محوطة بالنفس والروح ، مذبوب عنها بالخاطر ، عند اللمحة « 3 » والسّنوح ، وتاللّه أعود كما عدت من ريب تتوجه نحوها ، أو شوب « 4 » يدبّ إليها ، وكيف ذاك والشفقة عليها مرفرفة ، والرأفة بها موكلة ، ويد الثقة بعينها وشهادتها حاضنة ، والنفس إلى كل ما يرد منها أو يصدر إليها ساكنة ، فهذا باب ينبو / عن الكلام فيه لمغالطة مخوفة تجري عليه ، فأمّا الحديث الذي نمى إليك نبيذ « 5 » منه مما دار بيني وبين
--> ( 1 ) الظنّة : التهمة . ( 2 ) الشعث : انتشار الأمر وخلله . ( 3 ) ج ق - الملمة . اللمحة : النظرة بالعجلة . السنوح : مصدر سنح الأمر أو الرأي : عرض . ( 4 ) الشوب : ما خلطته بغيره . ( 5 ) ج ق - نبذ .