علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

69

الصداقة والصديق

[ تعريف الصديق ] قيل لأرسطاطاليس الحكيم معلم الإسكندر [ الملك ] من الصديق ؟ قال : إنسان هو أنت ، إلّا أنه بالشخص غيرك ! [ تفسير السجستاني لعبارة أرسطو ] سئل أبو سليمان « 1 » عن هذه الكلمة وقيل له : فسّرها لنا فإنها وإن كانت رشيقة فلسنا نظفر منها بحقيقة . فقال : هذا رجل دقيق الكلام ، بعيد المرام ، صحيح المعاني ، قد طاعت له الأمور بأعيانها ، وحضرته بغيبها وشهادتها ، وكان ملهما مؤيّدا ، وإنما أشار بكلمته هذه إلى آخر درجات الموافقة التي يتصادق المتصادقان بها ، ألا ترى أن لهذه الموافقة أولا ، منه يبتدئانها ، كذلك لها آخر ينتهيان إليه ، وأول هذه الموافقة توحّد ، وآخرها وحدة ، وكما أن الإنسان واحد بما هو به إنسان ، كذلك يصير بصديقه واحدا بما هو صديق ، لأن العادتين تصيران عادة واحدة ، والإرادتين تحولان « 2 » إرادة واحدة ، ولا عجب من هذا ، فقد أشار إلى هذه الغريبة الشاعر بقوله : روحه روحي ، وروحي روحه * إن يشأ شئت ، وإن شئت يشأ وليس يبعد هذا عليكم إلّا لأنكم لم ترو صديقا لصديق ، ولا كنتم أصدقاء على التحقيق ، بل أنتم معارف يجمعكم الجنس المقتبس ، وينظمكم النوع المقتبس من الإنسان ، ويؤلفكم بعد ذلك البلد أو الجوار أو الصناعة أو النسب ، ثم أنتم في كل ذلك الذي اجتمعتم عليه ، وانتظمتم به ، وتألفتم له على غاية الافتراق ، للحسد الذي يدبّ بينكم ، والتنافس الذي يقطع علائقكم ، والتدابر الذي يثير البينونة منكم ، ولو استصحبتم ما شملتكم به الطبيعة الكبرى في الأول ، لم تميلوا إلى ما حابتكم فيه الطبيعة الصغرى في

--> ( 1 ) راجع المقابسات طبعة السندوبي ص 359 . ( 2 ) ج ق - تتحولان .