علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

58

الصداقة والصديق

[ بين الفضل والثقة ] مرّ بخالد بن صفوان صديقان ، فعرّج عليه أحدهما وطواه الآخر ، فقيل له في ذلك ، فقال : عرّج علينا هذا لفضله ، وطوانا ذاك لثقته . ( ويروي في مثله : عرّج علينا هذا بالمقة وانصرف ذاك عنّا بالثقة ) « 1 » . [ عتاب ] شاعر : أعاتب ليلى إنما الهجر أن ترى * صديقك يأتي ما أتى لا تعاتبه [ غسل الدرن ] قال أعرابي لصاحب له : قد درن « 2 » ذات بيننا ، فهلمّ إلى العتاب لتغسل به هذا الدّرن ، فقال له صاحبه : إن كان كما تصف فذاك لبادرة ساءتك مني ، إمّا لك وإمّا لي ، فهلّا أخذت بقول القائل : إذا ما أتت من صاحب لك زلة * فكن أنت محتالا لزلّته عذرا واللّه لا صفت مودتنا ، ولا عذب شربها لنا إلّا بعد أن يغفر كلّ واحد منا لصاحبه ما يغفره لنفسه من غير منّ ولا أذى . [ الإنصاف والهجران ] شاعر : إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته * على طرف الهجران إن كان يعقل ويركب حدّ السيف من أن تضيمه * إذا لم يكن عن جانب السيف مزحل [ فوق الإنصاف والهجران ] قال العواميّ : الصديق يرتفع عن الإنصاف ، ويجلّ أيضا عن الهجران ، لأن الإنصاف ينبغي أن يكون عامّا مع النّاس كلّهم ، وأما الهجران « 3 » ، فالعاقل لا يسرع إليه لعدم الإنصاف بل يستأني ، ويقف ، ويكظم ، ويتوقع ، ويرى أن العارض في الأمر لا يزال به الأمر الثابت ، والعرق النابت .

--> ( 1 ) وردت العبارة على هامش المخطوط بخط مغاير للأصل . ( 2 ) درن وأدرن الثوب : وسخ ، وقيل : تلطّخ به . ( 3 ) م - الهجر .