علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

346

الصداقة والصديق

[ من رسالة لكاتب ] كاتب : ما إن يكلفني على معروفه من الثمن ، إلّا الإقرار له بالمنن ، وله عليّ المنّة والنّعمة ، والطّول والحجّة ، فيما ترك وصنع ، وأعطى ومنع ، واللّه لقد بذل فكان بذله طويلا يربي على حقي ، ومنع فكان منعه أدبا يعطفني على حظّي ، وعاتب فكان عتابه تجديدا لنعمه عندي ، وتحضيضا على تقوية نيّته في نفعي . [ ليوسف بن القاسم ] يوسف بن القاسم بن صبيح « 1 » إلى محمد بن زياد : حفظك اللّه وحاطك ، رأيتك - أكرمك اللّه - في خرجتك هذه رغبت عن مواصلتنا بكتبك ، وإبلاغنا طيّب خبرك ، وقطعتنا قطع ذي السلوة ، أو أخي الملّة « 2 » ، حتى كأنك كنت إلى مفارقتنا مشتاقا ، وإلى البعد منا توّاقا ، فوقع بعدك بحيث توخيت من جهتين : إحداهما حلاوة الولاية ، والأخرى لذة الراحة ، فإن يكن ذلك كما رجمناه قاطعناك مجملين ، أو لبسناك على يقين ، وإن يكن إدلالا بهدية أعددتها لنا من ناحية عملك ، فليس قدر الهدايا وإن كثرت ، ولا الفوائد وإن جلّت احتمال لؤم الإخوان إذا كانت الهدايا إنما تراد لهم ، والفوائد إنما تنال بهم ، والمباهاة بأعراض الدنيا تؤثر بخلطائهم ، وما أدري ما أقول في اختيارك ترك المكاتبة المحدّثة عن الغيب بالأسرار المكتومة ، والرسائل المعلومة ، والأمور المفهومة ، حتى كأنها محادثة والحضور ، على تنائي الدور ، والقلوب بها مشاهدة ، وإن كانت الأبدان

--> ( 1 ) هو أبو القاسم يوسف بن القاسم بن صبيح العجلي بالولاء كاتب ، من أهل سواد الكوفة من بيت بلاغة وفضل ، كان من كتّاب بني أمية ، ولما آلت الدولة إلى بني العباس استكتبه عبد اللّه بن علي ( عم المنصور ) فكان من خاصته . واستمر في خدمة العباسيين ، توفي عام 180 ه . ( 2 ) رجل ملّة وذو ملّة : إذا كان يملّ إخوانه سريعا .