علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

342

الصداقة والصديق

أوساطها ، وأخفّ الحالات عليه أقصدها ، من غير أن يدع الاستكثار من الإحسان بجهده ، والتحفظ من الإساءة بمبلغ رأيه ، لا غاية لحرصه على اعتقاد الفصل ، ولا نهاية لرغبته في مجانبة التقصير ، لا يستخفّه السرور ، ولا يضعضعه المكروه ، ولا تزدهيه الحاجة ، ولا تمهله الضرورة ، قد قدّر أموره على الصدق ، ونزّه نفسه عن الكذب ، معظما لكل ما يسدى إليه من الجميل ، مجتهدا لنفسه في أداء ما يجب عليه من الشكر ، لا يقتصر من المكافأة على السواء دون أن يتجاوزه إلى الإفضال ، لا يتبع صنيعته منّا ، ولا يلتمس منها عوضا ، ولا يلزم أهلها بها مكافأة ولا شكرا ، إنّما غايته في الإحسان احتراز الفضل ، واكتساب الحمد ، واحتساب الأجر ، قد حطّه التدبير عن التبذير ، وردعه الجور عن التقدير ، فهو الذي لا تجاوزه همّتك في فضل ، ولا يقصر عنك رأيك في اختبار ، بل أعظم الحاجة إليه من إخوانك ، وعندهم به أعظم الغنى / عنك في نوائب دهرك ، وتنقّل الحالات بك ، قد كفيناك خبرته ، واعتقدنا لك إخاءه وثقته ، فالقه بألطف بشرك ، وأحسن قبولك ، واخفض له كنفك ، وأخلص بينه وبينك مودّتك ، واسترسل إليه بذات نفسك ، واسكن إليه بمكنون سرّك ، وأدخله معك في مهمّ أمرك ، فإنك تبلغ بيسير خلطته من معرفة فضله ، وكرم إخائه ، وصحة وفائه ، ونبل رأيه ما يكتفي به دليلا على كل ما تحبّ علمه من أمره . [ لكلثوم بن عمرو العتّابي ] كلثوم بن عمرو العتّابي كتب إلى ريطة عن حفصة ابنته : إنّ أول حاجتي إليك أن تتدبري كتابي إليك تدبّر إنصاف ، ثم تجيبيني عنه جواب متثبّت ، فإنّ أخفى الجور جور الاستماع ، وأنفع العدل عدل الجواب ، وليس فيما بين هاتين موضع قدم لواحد من الأمرين ، وأصل