علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

34

الصداقة والصديق

والحسرة . ، والغيظ ، والكمد ، والومد ، وكأني بغيرك إذا قرأها تقبّضت نفسه عنه ، وأمرس « 1 » نقده عليها ، وأنكر عليّ التطويل والتهويل بها . وإنما أشرت بهذا إلى غيرك لأنك تبسط من العذر ما لا يجود به سواك ، وذاك لعلمك بحالي ، واطّلاعك على دخلتي ، واستمراري على هذا الإنفاض والعوز اللذين قد نقضا قوتي ، ونكثا مرتي ، وأفسدا حياتي ، وقرناني بالأسى ، وحجباني عن الأسى ، لأني فقدت كلّ مؤنس ، وصاحب ، ومرفق ، ومشفق ، واللّه ! لربما صليت في الجامع فلا أرى إلى جنبي من يصلّي معي ، فإن اتفق فبقّال ، أو عصّار ، أو ندّاف ، أو قصّاب ، ومن إذا وقف إلى جانبي أسدرني بصنانه ، وأسكرني بنتنه ، فقد أمسيت غريب الحال ، غريب اللفظ ، غريب النحلة ، غريب الخلق ، مستأنسا بالوحشة ، قانعا بالوحدة ، معتادا للصمت ، مجتنفا « 2 » على الحيرة ، محتملا الأذى ، يائسا من جميع من ترى ، متوقعا لما لا بدّ من حلوله ، فشمس العمر على شفا ، وماء الحياة إلى نضوب ، ونجم العيش إلى أفول ، وظلّ التلبث إلى قلوص . [ تمجيد الصمت ] وفي تمجيد الصمت مرّ بي كلام لبعض الحكماء القدماء أنا أرويه لك هاهنا لا لأجدّد به عليك ما ليس عندك « 3 » ، ولكن لأذكرك ، فإن الإذكار بالخبر بعث على الاهتمام به ، والبعث عليه سلوك لطريقه . قال هذا الحكيم : لو لم يكن للصامت في صمته إلّا الكفاية لأن يتكلم ، فحكي عنه محرّفا ، فيضطر إلى أن يقول : ليس هكذا قلت ، وإنما قلت كذا وكذا ، فيكون إنكاره إقرارا ، ويكون اعترافه بأصل ما حكي عنه شاهدا

--> ( 1 ) ج ق - أمرّ ، أمرس : حبل الكرة أعاده إلى مجراه . ( 2 ) ج ق - ملازما . مجتنفا : مائلا ، والأجنف : المتزاور والمائل في أحد شقيّه . ( 3 ) ج ق - عليك يما ليس .