علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

324

الصداقة والصديق

اللّه عزك - من أصفهان ، وعادة اللّه عندي جميلة ، والحمد للّه ربّ العالمين ، ولم تتأخر كتبي عنك - جعلني اللّه فداءك - مع ما ألزمه نفسي من الحقوق المعترضة للمتقدمين في المنزلة المرعيّة بين المتخالصين في المودّة ، لا إغفالا للحق ، ولا إضاعة للحظ ، لكن عرضت لي أحوال وأشغال وأسفار ورجوت أن تزيل عني الاستزادة تمحلك « 1 » لي عذرا كعذرك في تأخر كتبك فتقع متاركة أو مسامحة ، ثم جرت خطوب تكشّفت عما ساءني منك ، وخفت أن يغني العتاب من إعتابك في سورتك « 2 » ، فأمهلت توقعا إلى الغاية ، ومؤملا منك عند بلوغها حسن المراجعة ، وأن تتأمل فتعلم أني ما حلت عن عهدك ، ولا زلت عن ودّك ، ولا جنيت بيد ولا لسان عليك فتتوكل لي على نفسك ، وتتعطف بجميل أخلاقك ، وترعى مني ما يرعاه الحرّ من صديقه ، وتبقي عليّ مما أجريت إليه ، فاستمرّ بك اللجاج ، ووصلت ما أتيته في أمر فلان بإدامة النبوّ « 3 » عني ، والوضع مني ، وجعلت ذكري باللقب دون الاسم ، وبالاسم دون الكنية ، وبالكنية دون الدعاء ، وما هكذا أفعل عند ذكرك ، ولا أخللت بما يجب عليّ من تعظيمك ووصف فضلك ومحاسنك ، ولولا الرغبة فيك ، والضنّ بك لوجدت عن هذا القول مذهبا ومنتدحا « 4 » ، ولكني ملّكتك مني رقّ المودّة فقلّ صبري على سوء الملكة !

--> شاعرا أيضا مجودا مطبوعا فله ديوان رسائل وكتاب رسائله في فتح البصرة ( الفهرست 197 ) . ( 1 ) تمحّل الشيء : طلبه بحيلة وتكلف ، وتمحل له : احتال . ( 2 ) السّورة : الحدّة . ( سورة الخمر وغيرها ) حدتها ، وسورة المجد : أثره وعلامته وارتفاعه ، وسورة البرد : شدته ، وسورة السلطان : سطوته واعتداؤه . ( 3 ) ج ق - النبوة . ( 4 ) المنتدح : المكان الواسع . الندحة ( بفتح النون وضمها وإسكان الدال ) : ما اتسع من الأرض ومنه يقال : « لك عن هذا الأمر منتدح ومندوحة أي سعة وفسحة وحدّ » .