علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
321
الصداقة والصديق
[ رسالة أخرى ] وكتب آخر : وما أعلمني أن في سعة صدرك ، وفضل رأيك ، وعلوّ قدرك ، ويمن تدبيرك ، وشدّة تحصيلك ، وما مكّن اللّه لك من سلطانك ما أغنى عن مسألتي عما أراه في أمري ، فو اللّه ما حلت لك عن عهد ، ولا [ من ] موالاة إلى عداوة ، ولا عن وفاء إلى غدر « 1 » ، ولا عن شكر إلى كفر ، ولا قصّرت فيما ظننت إنه يقضي عني الحق بما بلغته الطاقة والوسع ، فإن تكن الدّنيا بلغتني ما لا يجدي معه سعي ، فذلك على الزمان لا عليّ : ما كلّف اللّه نفسا فوق طاقتها * ولا تجود يد إلّا بما تجد فو اللّه ما كنت بذميم العهد لك في شدّة ولا رخاء ، ولا في حال سرّاء ولا ضرّاء ، على قدر ما تبلغه طاقتي وتناله يدي ، وليس من قصّر به القدر بملوم على تقصير ، ولا من نصح بالنيّة إذا أعجزه الفعل بمعدود في أهل الغش . [ رسالة أخرى ] كاتب : وإن الذي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى « 2 » ليعلم أني لم أحل لك عن عهد ، ولا رجعت لك عن ودّ ، ولا انطويت لك على غلّ ، في وقت رخاء ، ولا شدّة ، ولا نعمة ، ولا محنة ، ولا خلفتك بقبيح في نفس ، ولا مال ، ولا عرض من الأعراض ، اللهمّ إلا أن تكون تعتدّ عليّ بعتاب أجريته بيني وبينك في بعض ما يعاتب الصديق صديقه ، وما ظننت / أن ذلك يخرج عن طريق المودّة ، ولا يوجب العداوة والجفوة ، لأنه أمر سلكت فيه سبيل نصيحة لم أمل فيه إلى غشّ لك ولا خيانة ، وربما احتملت للناصح الكلمة المرّة ، ولم تخرجه عن حدّ الأمانة والثّقة ، وإن كان مخطئا في المشورة ، لأنه قد اجتهد عند نفسه ولم يرد سوءا ولا غائلة « 3 » .
--> ( 1 ) ج ق - عذر . ( 2 ) القرآن الكريم سورة طه 7 . ( 3 ) الغائلة : الداهية والفساد والشر والمهلكة تقول : « أخاف غائلته » أي عاقبة شره .