علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

32

الصداقة والصديق

مفزع ، وقلّ ما نجتمع إلا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى شفتي ، ولا ندّت عن صدري إلى لفظي ، وذاك للصفاء الذي نتساهمه ، والوفاء الذي نتقاسمه ، والباطن الذي نتفق عليه ، والظاهر الذي نرجع إليه ، والأصل الذي رسوخنا فيه ، والفرع الذي تشبّثنا به ، واللّه ما يسرّني بصداقته حمر النعم ، ولا أجد بها بحياتي ، ما أجد بحياتي لي ، وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا ، كذلك أعشق كلّ ما وصل الحياة بالحياة ، وجنى لي ثمرتها ، وجلب إليّ روحها ، وخلط بي طيبها وحلاوتها . [ ابن سيّار القاضي ] وكان أبو سليمان يحدثني عن ابن سيّار بعجائب ، وأمّا أنا فما عرفته إلا قاضيا جليلا ، صاحب جدّ وتفخيم وتوقير وتعظيم ، وكان مع ذلك بسيط اللسان ، شريف اللفظ ، واسع التصرّف ، لطيف المعاني ، بعيد المرامي ، يذهب مذهب أبي حنيفة . [ الصداقة في نظر أبي سليمان ] ثم قال أبو سليمان : الصّداقة التي تدور بين الرغبة والرهبة شديدة الاستحالة ، وصاحبها من صاحبه في غرور ، والزّلّة فيها غير مأمونة ، وكسرها غير مجبور . [ صداقة الملوك ] قال : فأمّا الملوك فقد جلّوا عن الصداقة ، ولذلك لا تصح لهم أحكامها ، ولا توفي بعهودها ، وإنما أمورهم جارية على القدرة ، والقهر ، والهوى ، والشائق ، والاستحلاء ، والاستخفاف ، وأمّا خدمهم وأولياؤهم فعلى غاية الشّبه بهم ، ونهاية المشاكلة لهم ، لانتشابهم بهم ، وانتسابهم إليهم ، وولوع طور هم بما يصدر عنهم ، ويرد عليهم . [ صداقة التّناء ] وأمّا التّنّاء « 1 » وأصحاب الضياع ، فليسوا من هذا الحديث في عير ولا نفير .

--> ( 1 ) ج ، ق - الفنا - التّنّاء : من تنأ تنوءا بالمكان أقام به فهو تانئ .