علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

31

الصداقة والصديق

فقلت لأبي سليمان : كيف يصحّ هذا ، وأنت مطالبك في الفلسفة ، وصورك مأخوذة من الحكمة ، وجعبتك « 1 » مجموعة من الحقائق ، وخوضك في الغوامض والدقائق ، وذاك رجل في عداد القضاة ، وجلّة الحكام ، وأصحاب القلانس ، ومخاضه الظاهر الذي عليه الجمهور ، ومأخذه مما عليه السواد الأعظم . فقال : هذا هو الذي انفردنا « 2 » عنه بعد أن ازدوجنا عليه والأصل أبدا / مخالف للفرع ، لا خلاف الضدّ للضدّ ، ولكن خلاف الشكل للشكل ، وكانت مشتريه خاليا من قوة زحل ، فبرز في حلبة القضاة ، وكان المشتري لي مقتبسا من زحل ، فظهرت بما ترى ، فجمعتنا المشاكلة على العلم ، وفرّقنا الاختلاف بالفن . قلت : هذا واللّه طريف ، وممّا يزيد في طرافته أنّك من سجستان وهو من الصّيمرة « 3 » . فقال : الأمكنة في الفلك أشدّ تضاما من الخاتم في إصبعك ، وليس لها هناك هذا البعد الذي تجده بالمسافة الأرضية من بلد إلى بلد بفراسخ تقطع ، وجبال تعلى ، وبحار تخرق . فقلت : هل تجد عليه في شيء أو يجد عليك في شيء ؟ فقال : وجدي به في الأول قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني ، على أنه يكتفي مني فيما خالف هواي باللّمحة الضئيلة ، وأكتفي أنا أيضا منه في مثل ذلك بالإشارة القليلة ، وربما تعاتبنا على حال تعرض على طريق الكناية عن غيرنا كأنّنا نتحدّث عن قوم آخرين ، ويكون لنا في ذلك مقنع ، وإليه

--> ( 1 ) ج ق م : قتيبتك والصحيح ما أثبتناه والجعبة : كنانة النّشّاب . ( 2 ) م - انقسمنا . ( 3 ) الصّيمرة : اسم لموضعين أحدهما بالبصرة على فم نهر معقل وفيها عدّة قرى تسمى بهذا الاسم ، والثاني بلد بين ديار الجبل وديار خوزستان . راجع : معجم البلدان 5 / 406 - 7 .