علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
30
الصداقة والصديق
« اللّهمّ نفّق سوق الوفاء فقد كسدت ، وأصلح قلوب الناس فقد فسدت ، ولا تمتني حتى يبور الجهل كما بار العقل ، ويموت النقص كما مات العلم » . [ دعاء التوحيدي ] وأقول : اللّهمّ اسمع واستجب ، فقد برح الخفاء ، وغلب الجفاء ، وطال الانتظار ، ووقع اليأس « 1 » ، ومرض الأمل ، وأشفى الرجاء ، والفرج معدوم ، وأظنّ أن الداء في هذا الباب قديم ، والبلوى فيه مشهورة ، والعجيج منه معتاد . [ صداقة عجيبة ] فأول ذلك أني قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني : إني أرى بينك وبين ابن سيّار القاضي ممازجة نفسية ، وصداقة عقلية ، ومساعدة طبيعية ، ومواتاة خلقية . فمن أين هذا ؟ وكيف هو ؟ فقال : يا بنيّ ! اختلطت ثقتي به بثقته بي ، فاستفدنا طمأنينة وسكونا لا يرثّان على الدهر ، ولا يحولان بالقهر ، ومع ذلك فبيننا بالطالع ، ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة ، ومظاهرة غريبة ، حتى أنّا نلتقي كثيرا في الإرادات ، والاختيارات ، والشهوات ، والطلبات ، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل ، فأجدها شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان حتى كأنها قسائم بيني وبينه ، أو كأني هو فيها ، أو هو أنا ، وربما حدثته برؤيا فيحدثني بأختها فنراها في ذلك الوقت أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل . قال : ورأيته قد ملكه التعجب من هذا وشبهه ، فحدثته بما نتقاسمه من قوى الفلك ، وأن سهامنا واحدة ، وأنصباءنا منها متساوية ، أو قريبة من التساوي ، فعجب وازداد بصيرة في إخلاص الصّداقة ، وتوكيد العلاقة .
--> ( 1 ) ج ، ق - البأس .