علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

161

الصداقة والصديق

أو حاسد ، أو شامت ، أو منافق ، أو مؤذ ، أو منابذ ، أو معاند ، أو مزلّ ، أو مضلّ ، أو مغلّ ، وقد قال الأوائل : الإنسان مدنيّ بالطبع ، وبيان هذا أنه لا بدّ له من الإعانة ، والاستعانة ، لأنه لا يكمل وحده لجميع صالحه ، ولا يستقلّ بجميع حوائجه ، وهذا ظاهر ، [ الإنسان مدني بالطبع ] وإذا كان مدنيا بالطبع كما قيل فبالواجب ما يعرض في أضعاف ذلك من الأخذ ، والعطاء ، والمجاورة والمحاورة ، والمخالطة والمعاشرة ، ما يكون سببا لانتشار الأمر ، ولا محالة أن هذه وأشباهها مفضية إلى جملة ما نعته هؤلاء الذين روينا نظمهم ونثرهم ، وكتبنا جورهم وإنصافهم ، وذلك أعلى فنون ما قالوه ونظروه ، وعيون ما ذكروه ونشروه ، ونروي في هذا الموضع بقية أبيات وإن عنّ شيء حكيناه ، ونغلق الرسالة فإنها إذا طالت بغضت « 1 » ، وإذا بغضت « 2 » هجرت ، وربما نيل من عرض صاحبها ، وأنحي باللائمة عليه من أجلها ، وهو لم « 3 » يقصد إلّا الخير ، ولا أراد إلّا الرّشاد ، وقد يؤتى الإنسان من حيث لا يعلم ، ويرمى من حيث لا يتّقي ، كما يأتي من حيث لا يحتسب ، وينجو وقد أشفى ، ويدرك وقد غلب اليأس « 4 » . قال العطوي « 5 » : [ عزاء واستغناء ] لا تبك إثر مولّ عنك منحرف * تحت السّماء وفوق الأرض أبدال « 6 » النّاس أكثر من أن لا ترى خلقا * ممن زوى وجهه عن وجهك المال

--> ( 1 ) ج ق - أبغضت . ( 2 ) ج ق - أبغضت . ( 3 ) ج ق - فلم لا . ( 4 ) ج ق - الناس . ( 5 ) هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي عطيّة العطوي من شعراء الدولة العباسية ولد في البصرة ونشأ فيها ، كان معتزليا ، يعدّ من المتكلمين الحذّاق ، اشتهر في أيام المتوكل واتصل بابن أبي دواد وحظي عنده ، وكان منهوما بالنبيذ وله فيه وفي الفتوح أشعار كثيرة . توفي العطوي سنة 250 ه . ( 6 ) أبدال : مفردها بدل وبدل وبديل وهو العوض والخلف .