علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

155

الصداقة والصديق

يناط بك ، حسن الكفاية فيما يوكل « 1 » إليك ، كتوما للسّرّ إذا استحفظته ، حسن المساعدة فيما يجمل بك الوفاق عليه ، وقد حداني هذا كلّه على اجتبائك ، وتقريبك ، وإدنائك ، وتقديمك ، وغالب ظني أنك تعينني على ذلك بميمون نقيبتك « 2 » ، ومأمون ضريبتك « 3 » ، وجعلت دعامة هذا كلّه أني أجريك مجرى الصديق الذي يفاوض في الخير والشر ، ويشارك في الغثّ والسمين ، ويستنام إليه في الشهادة والغيب ، ولي معك عينان ، إحداهما مغضوضة عن كلّ ما ساءني منك ، والأخرى مرفوعة إلى كلّ ما سرّني فيك ، فإن كنت تجد في نفسك على قولي هذا شاهدا صدوقا ، وإمارة نطوقا ، فعرفني لأعلم أن فراستي لم تفلّ « 4 » ، وحدسي عن طريق الصواب لم يمل ، والحال التي قد جدّدها اللّه لي هي محروسة لك ، ومفرغة عليك ، ومستقلة بك ، فأشركني فيها بخالصة الوفاء ، أو تفرد بها إن شئت بحقيقة الصّفاء ، فلك الأمنة « 5 » من حيلولة الاعتقاد ، والسكون إلى عفو الاجتهاد ، وثق بأن الذي خطبته منك إنما أريده لك ، فلا تقعن في وساوس صدرك أنّ لكاشح « 6 » لنا فيما نحن عليه طريقا لنقص ، أو لمحبّ لنا فيه بابا إلى الزيادة ، واكتف بهذا القدر الذي دللتك عليه ، واستقبل أمري وأمرك

--> ( 1 ) ج ق - يؤكل . ( 2 ) النقيبة : العقل والمشورة ونفاذ الرأي والطبيعة . وفلان ميمون النقيبة : محمود المختبر ، وفي الصحاح : « إذا كان مبارك النفس » قال ابن السكيت : « إذا كان ميمون الأمر ينجح في ما يحاول ويظفر » وقال ثعلب : « إذا كان ميمون المشورة » وفي التاج : « فلان ميمون النقيبة والنقيمة » أي اللون . ( 3 ) الضريبة : الطبيعة والسجية ، يقال : « هذه ضريبته التي ضرب عليها » أي طبع . ( 4 ) الفلل : انثلام الحد . ( 5 ) الأمنة : الاطمئنان وسكون القلب . ( 6 ) الكاشح : العدو الباطن العداوة ، وقيل للذي يطوي كشحه على العداوة ، أو الذي يتباعد عنك ويوليك كشحه . الكشح من الجسم : ما بين السرة ووسط الظهر .