علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
15
الصداقة والصديق
مرة ، إذ كان قد بدأه سنة 371 ه ولم يتمّه إلا سنة 400 ه ، أي في العقد الأخير من حياته بعد أن « بلغت شمسه رأس الحائط » على حدّ تعبيره . ما هي قيمة هذه الرسالة ؟ وما هو مكانها بين آثار أبي حيّان التّوحيدي ؟ وما هي نظرة التّوحيدي إلى الصّداقة والصّديق ؟ تلك أسئلة تدور في خلد الباحث بعد قراءته هذه الرسالة الفريدة في نوعها في الأدب العربي . إن للتوحيدي شخصيتين : ذاتية وموضوعية ، عبّر في الأولى عن نوازعه الوجدانية والعاطفية ، وعبّر في الثانية عما رأى وسمع وشارك به من أحداث عصره ومشاكله ، وكان أسلوبه في كلا الحالتين أسلوبا فنيا منمقا راقيا . واعتقد أن رسالة الصداقة والصديق تعكس هاتين الشخصيتين شأن بقية آثار التوحيدي ، وإن كان يخيّل للباحث لأول وهلة أن التوحيدي أبعد من أن يعبّر عن نفسه وعن عصره في كتاب جمع فيه ما قيل في الصّداقة والصّديق منذ عصور الجاهلية إلى نهاية القرن الرابع الهجري . وقد امتد تأليف الرسالة فترة طويلة من حياة التوحيدي بدأها في سن الشباب وانتهى من تأليفها في أواخر حياته ، وإذا علمنا أن التوحيدي رافق القرن الرابع الهجري من مطلعه حتى منتهاه ، وأنه كان على صلة مع مشاكل عصره كان لا بدّ أن تنعكس في الرسالة من خلال مزاج التوحيدي الأديب ومنظاره ، أحوال هذا العصر العجيب وصور تلك المجتمعات المضطربة ، قد توصل الباحث إلى استنتاجات مفيدة وممتعة . ولعل من أطرف ما جاء في الرسالة ذلك التصنيف الهرمي لطبقات المجتمع ، التي عرفها التوحيدي بالعشرة والاختبار والملامسة ، وهم الملوك