علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

140

الصداقة والصديق

عنه ، وأجبأ « 1 » من أمّي فيه ، وأطويه عن أختي خجلا منها ، وأداجي « 2 » ابن عمي عليه خوفا من حسد يفقأ ما بيني وبينه ، وأكنّي عن بنت عمي بغيرها « 3 » لأنها شقيقة ابن العم ، ومعها نصف ما معه ، وهي من الشجرة التي تلفّنا عيصها « 4 » ، وتلتقي علينا أفنانها ، ويجمعنا ظلّها . فأما العشيقة « 5 » فقصاري « 6 » معها أن أشوب « 7 » لها صدقا بكذب ، وغلظة بلين لأفوز منها بحظّ من نظر ، ونصيب من زيادة ، وتحفة « 8 » من حديث ، وكلّ هؤلاء مع شرف موقعهم مني ، وانتسابهم إليّ دون الصديق الذي حريمي له مباح ، وسارحي « 9 » عنده مراح « 10 » ، أرى الدنيا بعينه إذا رنوت ، وأجد فائتي عنده إذا دنوت ، إذا عززت به « 11 » ذلّ لي ، وإذا ذللت له عزّ بي ، وإذا تلاحظنا تساقينا كأس المودة ، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثّقة ، لا يتوارى عني إلّا حافظا للغيب ، ولا يتراءى لي إلّا ساترا للعيب . قيل له : فهل نمى إليك خبره منذ بان عنك أثره ؟ قال : نعم ، لحقني بعض فتيان الحيّ أمس فسألته قرابتي وعشيرتي فنعت لي كلّا ، وأطاب أخبارهم ، حتى إذا سألته

--> ( 1 ) جبأ وجبئ : ارتدع وكره . ( 2 ) داجى مداجاة : داراه . ( 3 ) م - بغيره . ( 4 ) ج ق - أغصانها . العيص : الشجر الكثير الملتف وما اجتمع وتدانى من العضاه وهو كل شجر يعظم وله شوك . الواحدة عضاهة وعضة . ( 5 ) ج ق - العشق . العشيق : المعشوق والعاشق . ( 6 ) القصارى : الجهد والغاية ، يقال : « قصاراك أن تفعل كذا » أي جهدك وغايتك وآخر أمرك . ( 7 ) شاب الشيء يشوبه شوبا وشيابا : خلطه فهو شائب . ( 8 ) التّحفة ( بسكون الحاء وفتحها ) الهدية والبرّ واللطف ، والجمع تحف . ( 9 ) السارح : الماشية والراعي الذي يسرح الإبل . ( 10 ) المراح : مأوى الإبل والبقر والغنم أي موضع راحتها في الليل . ( 11 ) ج ق - له .