أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

97

شرح مقامات الحريري

فما تدوم على حال تكون بها * إلّا كما تلوّن في أثوابها الغول « 1 » وتزعم العرب أنه إذا انفرد رجل في الصحراء ظهرت له في خلقة إنسان ، ولا يزال يتبعها حتى يضلّ الطريق ، فتدنو منه ، وتتمثل في صور مختلفة فتهلكه روعا . وإذا أرادت أن تضلّ الناس أوقدت نارا فيبصرها الساري فيقصدها ، فتفعل ذلك وتروّعه ، فإن كان الذي يأتيها شجاعا مقداما تحامل وتبعها ، فإذا رأت ذلك لم تضرّه ، وجلس يصطلي بنارها وهي معه . وقال تأبّط شرا : [ المتقارب ] وأدهم قد جبت جلبابه * كما اجتابت الكاعب الخيعلا « 2 » إلى ضوء نار تنوّرتها * فبتّ لها مدبرا مقبلا فأمسيت والغول لي جارة * فيا جارنا أنت ما أهولا فمن يك عن جارتي سائلا * فإنّ لها باللّوى منزلا قال أبو عمرو رحمه اللّه بات تأبّط شرّا ليلة ذات ظلمة ورعد وبرق بواد يقال له : رحى بطان ، فلقيه الغول - وهو سبع من سباع الجنّ - فما زال يقاتلها حتى قتلها ، فقال : [ الوافر ] ألا من مبلغ فتيان فهم * بما لاقيت عند رحى بطان فإنّي قد رأيت الغول تهوي * بسهب كالصّحيفة صحصحان فشدّت شدّة نحوي فأهوى * لها كفّي بمصقول يماني لها عينان في رأس قبيح * كرأس الهرّ مشقوق اللسان وساقا مخدج وشواة كلب * وثوب من عباء أو شنان قالوا : وخلفتها خلقة إنسان ورجلاها رجلا حمار ، فإذا صاح بها الرّجل : رجلي حمار ! نهقت نهيقا لا تخطئ السّبسب والطريق ، وفرّت منه . وانظر في التاسعة والأربعين ذكر القطرب وفيه شيء مستظرف . قوله : فتّاحا ، أي حاكما . وافتح بيننا ، أي احكم بيننا ، والفتّاح : الناصر ، والفتح : النصر . والحاكم بنصر المظلوم . أسيت : حزنت صدىء ذهني ، أي تغطي بالغفلة ، من الصّدأ ، وهو ما يعلوه من الدّرن . وصديت ، غير مهموز أصدى صدى ، وأراد مذ افتقرت

--> ( 1 ) البيت في ديوان كعب بن زهير ص 8 ، والمخصص 17 / 5 ، والمذكر والمؤنث للأنباري ص 411 ، وهو بلا نسبة في جمهرة اللغة ص 961 ، 988 . ( 2 ) يروى صدر البيت الأول : وأدهم قد جبت ظلماءه وهو لحاجز السروي في لسان العرب ( فعل ) . شرح مقامات الحريري / ج 3 / م 7