أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
84
شرح مقامات الحريري
وتعلّم عمل الخوص ، فقيل له : لم نعمل هذا وأنت أمير ! وقد أجري عليك رزق ، فقال : إني أحببت أن آكل من عمل يدي . وكان يتصدق بما يرزق من بيت المال ، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لو كان الدّين في الثريا لناله سلمان » . أبو هريرة رضي اللّه عنه ، كنا جلوسا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقرأ سورة الجمعة ، فلما قرأ : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [ الجمعة : 3 ] - وفينا سلمان - وضع يده على سلمان ، ثم قال : « لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجل من هؤلاء » . وتوفّي في آخر خلافة عثمان رضي اللّه عنه ، وما ترك شيئا يورث عنه . وفضائله كثيرة . وعلى قولهم لأبي بكر : « لا ، ويغفر اللّه لك » ، قال أبو محمد في الدّرة : وربما أجاب المستخبر بلا النافية ، ثم عقبها بالدعاء له ، فيستحيل الكلام إلى الدعاء عليه ، كما روي أنّ أبا بكر رضي اللّه عنه رأى رجلا ، بيده ثوب ، فقال : أتبيع هذا ؟ فقال لا عافاك اللّه ، فقال أبو بكر رضي اللّه عنه لقد علمتم لو تعلمون ! فهلا قلت : لا وعافاك اللّه ! . قال أبو محمد : والمستحسن ما قال يحيى بن أكتم للمأمون ، وقد سأله عن أمر فقال : لا ؛ وأيد اللّه أمر أمير المؤمنين . وحكي أنّ الصاحب بن عباد لمّا سمع هذه الحكاية ، قال : واللّه لهذه الواو أحسن من واوات الأصداغ ، في خدود المرد الملاح . * * * وكنت مع اشتيار شهده ، وانتشاق رنده ، أشهد مشاجر الخصوم ، وأسفر بين المعصوم منهم والموصوم ، فبينما القاضي جالس للإسجال ، في يوم المحفل والاحتفال ؛ إذ دخل شيخ بالي الرّيا ، وبادي الارتعاش ؛ فتبصّر الحقل تبصّر نقّاد ، ثم زعم أنّ له خصما غير منقاد ؛ فلم يكن إلا كضوء شرارة ، أو وحي إشارة ؛ حتّى أحضر غلام ، كأنّه ضرغام فقال الشيخ : أيّد اللّه القاضي ، وعصمه من التغاضي ، إن ابني هذا كالقلم الرّدي ، والسّيف الصّدي ، يجهل أوصاف الإنصاف ، ويرضع أخلاف الخلاف ، إن أقدمت أحجم ، وإذا أعربت أعجم ، وإن أذكيت أخمد ، ومتى شويت رمّد ؛ مع أني كفلته مذ دبّ ، إلى أن شبّ ، وكنت له الطف من ربّي وربّ فأكبر القاضي ما شكا إليه ، وأطرف به من حواليه ، ثم قال : أشهد أنّ العقوق أحد الثّكلين ، ولربّ عقم أقرّ للعين . * * *