أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
479
شرح مقامات الحريري
ولم تدع التجارب لي صديقا * أميل إليه إلّا ملت عنه وقال آخر : [ البسيط ] اهرب بنفسك تستأنس بوحدتها * تلق الرّشاد إذا ما كنت منفردا إن السّباع لتهدأ في مرابضها * والناس ليس بهاد شرّهم أبدا قوله : تفرّس ، أي علم بفراسته وجودة نظره . نويت : أضمرت في نيتي كوشف : اطلع عليه . زفر : نفخ . الأواه : الحزين الذي يصيح : آه آه . أسجلت : صدقت . المحدثين : الذين حدثوه بتوبة السروجي . محدّثين ، هم المكاشفون من الزهاد الذين يحدثون بالغيوب ، كأن المكاشف قد حدث بما يقول . وقيل : المحدثون الصّادقون ظنا وفراسة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « قد كان فيمن قبلكم ، محدثون ، فإن يكن من أمتي هذه فهو عمر بن الخطاب » « 1 » . وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه المعيّا وهو الصادق الظنّ ، ودليله ما ذكره صلى اللّه عليه وسلم في عمر حديث سارية بن زنيم ، وكان عمر رضي اللّه تعالى عنه قد أرسله في جيش للمسلمين ، فألقى اللّه في روح عمر رضي اللّه تعالى عنه وهو يخطب الناس بالمدينة إن العدوّ قد نهز المسلمين واشتد الخطب عليهم ، وكانوا بحضرة جبل ، فقطع عمر الخطبة وقال : يا سارية الجبل ، فأسمع اللّه تعالى سارية من مسافة شهر نداء عمر ، فانحاز بالمسلمين إلى الجبل ، فتخلصوا ، قوله : المصافح ، أي المعانق عند الوداع ، نصيب عينك ، أي غرضها وقدامها ، وأول من قال : اجعل الموت نصب عينك أمية بن أبي الصلت في قوله : [ الخفيف ] كلّ عيش وإن تطاول يوما * صائر أمره إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي * في رؤوس الجبال أرعى الوعولا فاجعل الموت نصب عينك واحذر * غولة الموت إن للموت غولا عبراتي : دموعي . يتصعدن : يترفعن . التراقي : العظمان المعوجان أعلى الصدر . خاتمة التلاقي : آخر لقائه . [ مما قيل في الوداع شعرا ] ونذكر هنا جملة من الشعر في ذكر الوداع الذي كان بينهما ونجعلها كالتوديع لما سلف لهما في هذا الكتاب من رياض الآداب فإنها كانت أنس الوحيد . ومسلاة الطريد ، فمن ذلك قول بعضهم : [ المتقارب ] وداعك مثل وداع الرّبيع * وفقدك مثل افتقاد الدّيم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب 6 ، والأنبياء باب 54 ، ومسلم في فضائل الصحابة باب 23 ، والترمذي في المناقب باب 17 ، وأحمد في المسند 6 / 55 .