أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
460
شرح مقامات الحريري
أيام خالد القسري فوجد طولها فرسخين في مثلهما والكوفة ثلثاها . وأمّا في أيام المنصور فقسم على من يستوجب العطاء من أهل البصرة ألف ألف درهم ، فأصاب كلّ رأس درهمين . ولأهل البصرة ثلاثة أشياء ليس لأحد من أهل البلدان أن يدّعيها عليهم : النّخل والشّاء والحمام ، أما النخل فهم أعلم خلق اللّه به وأحذقهم بإصلاحه ، وفيها من أصناف النخل ما ليس في بلد من البلدان ، وأما الشاء المعبدية فقد وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل من عبد القيس ، فقال : يا رسول اللّه إني رجل أحبّ الشاء ، فدفع له فحلا من المعز فقبض بيده على أصل أذنه ، حتى استدارت أصابعه ، فصار في أذنه كالسّمة فسار إلى بلده فأطرقه شاءه ، فحملت إلى البحرين ، فتناسلت هناك فليس في البحرين شاة كريمة إلا وفي أذنها سمة كالحلقة ، فيغالى بها لتلك العلامة حتى تبلغ الشاة منها خمسين دينارا ، وتعقد بالبصرة عقودها ، وفيها شاة لبني فلان أمّها فلانة ، وأبوها تيس بني فلان ، مقدار حلبها بالغداة والعشيّ كذا . وحمامهم بلغت في الهداية أن جاءت من أقاصي بلاد الروم ومن مصر إلى البصرة وينتهي ثمن الطائر منها إلى تسعمائة دينار ، وتباع بيضتها بعشرين دينارا ، وكلّ ما وصف في المقامة موجود في البصرة ، ولمّا صعد عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه منبرها خطب وقال في آخر خطبته : يا أهل البصرة ، يا بقايا ثمود ويا جند المرأة ، ويا أتباع البهيمة ، دعا فاتّبعتم ، وعقر فانهزمتم ، أما إني أقول لا رغبة فيكم ولا رهبة منكم ، غير أني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « أرض يقال لها البصرة ، أقوم الأرضين قبلة ، قارئها أقرأ الناس ، وعابدها أعبد الناس ، ومتصدقها أكثر الناس صدقة ، وتاجرها أعظم الناس تجارة منها إلى قرية يقال لها الأبلّة أربع فراسخ ، يستشهد عند مسجدها سبعون ألفا ، الشهيد منهم كالشهيد في يوم بدر » . فبنى الحريري في مدح البصرة على هذا الحديث ، وإنما ختم كتابه بذكر البصرة وأهلها لتقوى مفاخرهم ، ومفاخر بلدهم في البلدان فيلهجون بالمقامات ويقدمونها على غيرها . قوله : شنآن ، أي عداوة . دهماؤكم : جماعاتكم ، والدهماء معظم الناس وأكثرهم . والدّهم : العدد الكثير . عابدكم : زاهدكم كالحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما . الخليقة ، أي أخوف النّاس من اللّه تعالى . علّامة : كثير العلم . [ أبو الأسود الدؤلي ] ومستنبط علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي ، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان أحد بني الديل من كنانة ، وهو يعدّ في التابعين والمحدّثين والشعراء والبخلاء والنّحويين ، ويعدّ في العرج والمفاليج والبخر ، شهد مع علي رضي اللّه عنه صفّين ، وولى البصرة لابن عباس رضي اللّه عنهما ، وكان من شيعة عليّ وكانت امرأته عثمانية ، وكان أصهاره لا يزالوا أن يردّون عليه قوله في عليّ ، فقال فيهم : [ الوافر ]