أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

452

شرح مقامات الحريري

وأبو جعدة : كنية الذئب ، وهي كنية بالضدّ لأن جعدة عندهم الشّاة ، ولما كان الذئب يقتلها حيث وجدها جعلوه أباها بضدّ ما يفعل الأب الذي لا يقال له أب إلا لوجود الرحمة عنده على بنيه ، ونحوها قولهم للأسود : أبو البيضاء ، والختل : المكر . وأبو عقبة الخنزير ، ومن حرصه أنه يمشي بالليل وبالأسحار لطلب ما يأكل ، ويستتر بالنهار حرصا على السّلامة . وأبو وثاب : الظّبي وكني بذلك لسرعة وثبه . وأبو الحصين : الثعلب ، وهو أكثر الحيوان مكرا ، ومن بعض مكره أنّه إذا رأى الغلبة تماوت فلا تشكّ في أنه ميّت ، فإذا وقع له غير عارف تركه فما يمرّ يسيرا حتى يقوم فارّا أو تحصينه يبصل العنصل من الذئب ، لأن الذئب لا يطؤه في زعم قوم ، وقالوا : إنّ الضبع صادت ثعلبا ، فقالت : أخيّرك يا ثعلب بين خصلتين ، فقال : ما هما ؟ فقالت : إما أن آكلك وإما أن أكلمك ، فقال لها الثعلب ، أما تذكرين يوم نكحتك ؟ فقالت : متى ؟ فانفتح فوها وانفلت الثعلب ، فذكروا ذلك مثلا ، وقالوا : ضرب عليه خصلتي الثعلب ، وقالوا : إن الثعلب اطّلع في بئر وهو عاطش وعليها رشاء في طرفيه دلوان ، فقعد في الدلو العليا فانحدرت ، فشرب ، فجاء الضبع فاطلعت في البئر ، فأبصرت القمر في الماء منتصفا والثعلب قاعد في قعر البئر فقالت له : ما تصنع هنا ؟ فقال لها : إني أكلت نصف هذه الجبنة وبقي نصفها لك فانزلي فكليها ، فقالت : وكيف أنزل ؟ قال : تقعدين في الدلو فقعدت فيها ، فانحدرت وارتفع الثعلب في الدلو الأخرى فلمّا التقيا في وسط البئر قالت له : ما هذا ؟ قال : كذا التّجار ، نختلف ، فضربت بها العرب المثل في المختلفين ، وأوصاف مكره كثيرة . وأبو أيوب : الجمل سمّي بذلك لأنه أصبر الدوابّ على العطش والجوع وقطع الأشهر بالسير المتصل ونقل الأوقار ، ومهما كان به شيء من قوّة تجلّد ، فإذا وقف علم أنه ليس فيه بقية ينتفع بها . وأبو غزوان الهرّ لغزوه الفئران وخشاش الأرض وتلطّفه يظهر في محاولاته لتصيد الفأر فإذا قدمت المائدة : قرب منها وأخذ يتلطف في صياحه ويتضرّع ويحتكّ بالمائدة أو بالأكل حتى يعطى . وأبو براقش : طائر أغبر أوسطه أحمر ، إذا انتفض تلوّن ألوانا . أخذ الحريريّ هذا الفصل من كلام العلماء ، قالوا : ابن آدم هو العالم الكبير الذي جمع اللّه تعالى العالم كلّه فيه فكان فيه بسالة الأسد وصبر الجمل وحرص الخنزير وحذر الغراب وروغان الثعلب ؛ وضرع السّنّور ، وحكاية القرد وجبن الصقر . قيل لرجل من كبار العلماء وكان بليدا سريع النّسيان في ابتداء تعلّمه : بم أدركت العلم مع بلادتك وكلل خاطرك ؟ قال : ببكور كبكور الغراب وصبر كصبر الجمل وحرص كحرص الخنزير .