أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
45
شرح مقامات الحريري
الأربعين في نماء وزيادة وقوة ، ومن الأربعين إلى الثمانين في نقص ، فالبالغ الثمانين قد استوفى عمري الزيادة والنقص ، وسئل ذو الرّمة عن سنّه ، فقال : بلغت نصف عمر الهرم أربعين سنة ، وقيل : العمر ستون سنة ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين » « 1 » . ومن حديث أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر اللّه إليه » « 2 » . فالعمران على هذا مائة وعشرون سنة ، والحكماء يزعمون أنه منتهى ما يبلغ عمر ابن آدم ، والأظهر من سياق المقامة أنه أراد الأول ، لأن من قارب مائة وعشرين سنة لا يلتذ بخمر ولا بغيره وهو يزعم في المقامة أنه يحاول شربها الغناء وغير ذلك . قوله : أبان : بيّن . منطيق : فصيح ، اجتبى حبوتهم ، أي جلس مثل جلوسهم المنتدين : أهل المجلس . ازدراه : احتقره . أصغريه : قلبه ولسانه ، وقيل لهما الأصغران لصغر حجمهما من بين الأعضاء لفضلهما وشرفهما على الأعضاء ، قال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه : ولكنّي مدرّب الأصغرين ، ولجلبهما القيام والكمال ، كأنه قال : المرء يقوّم أموره بلسانه وقلبه ، ويكمل المرء بهما ، قال الأصمعيّ رحمه اللّه تعالى : كان ضمرة بن أبي ضمرة قصيرا ، وكان يقول : المرء بأصغريه ، بقلبه ولسانه . * * * وأخذوا يتداعون فصل الخطاب ، ويعتدّون عوده من الأحطاب ، وهو لا يفيض بكلمة ، ولا يبين عن سمة ، إلى أن سبر قرائحهم ، وخبر شمائلهم وراجحهم . فحين استخرج دفائنهم ، واستنثل كنائنهم ، قال : يا قوم لو علمتم أنّ وراء الفدام ، صفو المدام ، لما احتقرتم ذا أخلاق ، وقلتم ما له من خلاق ، ثمّ فجّر من ينابيع الأدب ، والنّكت النّخب ، ما جلب به بدائع العجب ، واستوجب أن يكتب بذوب الذّهب ، فلمّا خلب كلّ خلب ، وقلب إليه كلّ قلب ، تحلحل ، ليرحل ، وتأهّب ، ليذهب ، فعلقت الجماعة بذيله ، وعاقت مسرب سيله ، وقالت له : قد أريتنا وسم قدحك ، فخبّرنا عن قيضك ومحّك ، فصمت صموت من أفحم ، ثم أعول حتّى رحم .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الدعوات باب 101 ، وابن ماجة في الزهد باب 27 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 320 ، 417 .