أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

40

شرح مقامات الحريري

وقيل : المتّكأ الأترج - وأمرها له أن يخرج عليهنّ ، وإعظامهنّ إياه حتى شغلن به عن أنفسهن ، وقطّعن أيديهنّ وقلن : حاش للّه ما هذا بشرا ، تنزيها له عن أن يأتي - مثله ريبة ، فكان من هذا الخبر ما قص اللّه في القرآن ونطقت به التّفاسير والأخبار . ثم إن امرأة العزيز قالت للعزيز : إن عبدك فضحني في الناس فإما سجنته ، وإمّا برزت للناس أعتذر عن نفسي ، فحبسه ، فدخل معه رجلان أحدهما خبّاز الملك والآخر نديمه . وكان لمّا بلغ الحلم آتاه اللّه حكما وعلما من العبارة ، فكان في السّجن يفسر الرؤيا للمسجونين ، ويمرّض مرضاهم ، ويوسّع على من ضاق عليه مكانه ، فقال أحد الفتيين لصاحبه : هلمّ نجرّب هذا العبد ، فسألاه من غير أن يريا شيئا ، وقالا له : إنا نراك من المحسنين في معاشرتك أهل السجن ، فقال لهما : أمّا أحدكما فينادم الملك ، وأما الآخر فيصلب ، فقالا له : ما رأينا شيئا ، فقال لهما : قضي الأمر فيكما ، ثم قال للذي ظن أنه ناج منهما : اذكرني عند ربّك . وأخبره أني محبوس ظلما ، فأوحى اللّه تعالى إليه : إن اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن سجنك ، فعوقب بالسجن حيث همّ بامرأة العزيز ، وبإطالته حيث اتكل في أمره على غير ربه . ثم كان من رؤيا الملك وجهل أهل دولته وتفسير يوسف لها ، وقول الملك : ائتوني به وتأبّيه الخروج حتى يسأل النّسوة عن شأنه وشهادتهنّ عند الملك بتبرئته واعتراف امرأة العزيز بأنها راودته ، وقوله في العزيز : لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ يوسف : 52 ] . ويقال إن جبريل قال له عند ذلك : ولا يوم هممت بما هممت به ! فقال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [ يوسف : 53 ] الآية . واستخلاص الملك إياه لنفسه ، وجعله على خزائن أرضه ؛ ما اشتهر قرآنا وتفسيرا . ويقال إن العزيز مات في تلك المدة ، وإن يوسف تزوّجها ، وقال لها : أليس هذا خيرا ؟ فقالت : لا تلمني ، كنت امرأة حسناء في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك اللّه في حسنك ، فغلبتني نفسي على ما رأيت . فيزعمون أنّه وجدها عذراء ، وأنها ولدت له ابنين . ثم أجدبت الأرض ، فأتاه إخوته منتجعين ، فكان من أمره معهم ، وإحسانه إليهم في الكيل . وطلبه لهم أن يأتوه بشقيقه بنيامين ، ورجوعهم موقرين ، ورغبته إياهم في إرساله معهم ، وأخذه بسرقة الصّواع وتأذّيهم بذلك ، ورجوعهم إلى أبيهم وتوالى الحزن على يعقوب بفقد ابنيه ، وأمره لبنيه أن يرجعوا طالبين ليوسف وأخيه ، ودخولهم على يوسف أذلّاء صاغرين ، وتعريفه إياهم بمكانه ، وبعثه بالقميص إلى أبيه ، وجمع شملهم بعد طول مدّة الفراق ما نصّ اللّه تعالى أنّه عبرة لأولي الألباب ، ولولا أنّ الأمر في كتب التفسير أشهر من أن يجهل ، لفسّرناه فصلا فصلا . * * *