أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
340
شرح مقامات الحريري
المراضع عن أولادها فما تبضّ بقطرة ، فأيقنا بالهلاك ، فو اللّه إني لفي ليله صبيرة « 1 » بعيدة الطرفين ، إذ تضاغى صبيتنا جوعا : عبد اللّه وعديّ وسفانة ، فقام إلى الصبيّين وقمت إلى الصبية ، فو اللّه ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل ، وأقبل يعلّلني بالحديث ، فعرفت ما يريد ، فتناومت ، فلما تغوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت ، فقال : من هذا ؟ فقالت : جاريتك فلانة أتيتك من عند صبية يتعاوون من الجوع عواء الذئاب ، فما وجدت معوّلا إلّا عليك أبا عديّ فقال : أعجليهم فقد أشبعك اللّه وإياهم ، فأقبلت تحمل اثنين ، ويمشي إلى جانبها أربعة ، كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه فوجأ لبّتها بمدية ، فخرّت ، ثم كشط الجلد ، ودفع المدية إلى المرأة وقال شأنك ، فاجتمعنا على اللّحم نشوي ونأكل ، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا ، ويقول : هبوا أيّها القوم ، عليكم بالنار ، فاجتمعوا والتفّ في ثوبه ناحية ينظر إلينا ، واللّه إن ذاق منها مزعة ، وإنه لأحوج إليها منا ، فأصبحنا وما على الأرض منها إلا عظم وحافر ، فأنشأ يقول : [ البسيط ] مهلا نوار أقلّي اللوم والعذلا * ولا تقولي لشيء فات ما فعلا « 2 » ولا تقولي لشيء كنت مهلكه * مهلا وإن كنت معطي العنس والجملا يرى البخيل سبيل المال واحدة * إن الجواد يرى في ماله سبلا ولم يكن يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه ، فإنه كان لا يجود به . وذكر الحريري أن عقيلا تمثّل بقول حاتم : [ الرجز ] * شنشنة أعرفها من أخزم « 3 » * وكان عقيل بن علّفة المريّ غيورا فخورا وكانت الخلفاء تصاهره ، فخطب إليه عبد الملك ابنته لبعض ولده ، فقال : أمّا إن كان ولا بدّ ، فجنّبني هجناء ولدك ، وخرج يمتار ومعه ابنه وابنته الجرباء فنزلوا بالشأم بدير سعد فلما ارتحلوا قال عقيل : [ الطويل ] قضت وطرا من دير سعد وربّما * على عرض ناطحنه بالجماجم ثم قال لابنه أجزيا عملّس ، فقال : [ الطويل ] فأصبحن بالموماة يحملن فتية * نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
--> ( 1 ) ليلة صبيرة : أي ليلة شديدة البرد . ( 2 ) الأبيات في ديوان حاتم الطائي ص 74 . ( 3 ) الرجز لأبي أخزم الطائي في لسان العرب ( خزم ) ، ( شنن ) ، ومجمل اللغة 2 / 183 ، ولعقيل بن علّفة في جمهرة اللغة ص 596 ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 7 / 218 ، 11 / 281 ، وكتاب العين 6 / 220 ، والمخصص 6 / 194 ، وديوان الأدب 3 / 106 .