أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

304

شرح مقامات الحريري

الأيك : شجر . الجدل منك وإليك ، أي إنّما كان هذا الخصام بينك وبين نفسك ، ولم يكن ثمّ صبي تحاوره ، أي أن حديثك مصنوع لا أصل له . [ الأخبار المصنوعة ] ومن مستعمل الأخبار المصنوعة ما يحكى أن حبيب بن أوس ، قال : لقينا أعرابيّ ، وقد خرجت في أيام الواثق إلى سرّ من رأى ، فقلت له : ممن ؟ قال : من بني عامر ، قلت : كيف علمك بعسكر أمير المؤمنين ؟ قال : قتل أرضا عالمها ، قلت : ما تقول في أمير المؤمنين ؟ قال : وثق باللّه فكفاه ، أشجى العاصية ، وقمع العادية ، وعدل في الرعيّة . قلت : فما تقول في أحمد بن أبي دؤاد ؟ قال : هضبة لا ثرام ، وجبل لا يضام ، تشحذ له المدى ، وتنصب له الحبائل ، حتى إذا قيّد وثب وثبة الذئب ، وختل ختل الضّب . قلت : فحمد بن عبد الملك ؟ قال : وسع الداني شرّه ، ووصل البعيد ضرّه ، له في كل يوم صريع ، لا يرى فيه أثر ناب ، ولا ندب مخلب ، قلت : فما تقول في الفضل بن مروان ؟ قال : ذلك الرجل نشر بعد ما قبر ، فعليه حياة الأحياء ، وخفته الموتى . قلت : فابن الخصيب ؟ قال : أكل أكلة نهم ، وذرق ذرقة بشم ، قلت : فأخوه إبراهيم ؟ قال : أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون ، قلت فأحمد بن إبراهيم ؟ قال : للّه درّه ! أيّ رجل هو ! اتّخذ الصّبر دثارا ، والحق شعارا ، وإن هوّن عليه يهمّ ، قلت : فسليمان بن وهب ؟ قال : ذلك رجل السلطان ، وبهاء الدّيوان ، قلت : فأخوه الحسن ؟ قال : عود نضير ، غرس في منابت الكرم حتى إذا اهتز لهم حصدوه ، قلت : فإبراهيم بن نجاح ؟ قال : ذلك رجل أوثقه كرمه ، وأسلمه حسبه ، وله دعاء لا يسلمه ، وربّ لا يخذله ، وخليفة لا يظلمه ، قلت : فنجاح بن سلمة ؟ قال : للّه درّه أيّ طالب وتر ومدرك ثأر ! يلتهب كأنه شعلة نار ، له من الخليفة في الأنام جلسة تزيل نعما ، وتحلّ نقما ، قلت : يا أعرابيّ أين منزلك ؟ قال : اللهمّ غفرا إذا اشتمل الظّلام ، ألتحف الليل ، فحيثما أدركني الرّقاد رقدت ، ولا أخلق وجهي بمسألتهم ؟ أما سمعت هذا الطائيّ يقول : [ البسيط ] وما أبالي وخير القوم أصدقه * حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي فقلت له : أنا قائل هذا الشعر ، قال : أإنّك لأنت الطائي ! قلت : نعم ، قال : للّه أبوك ، أنت الذي تقول : [ البسيط ] ما جود كفّك إن جادت وإن بخلت * من ماء وجهي إذا أخلقته عوض قلت : نعم ، قال : أنت أشعر أهل زمانك . ونمي خبره إلى ابن أبي داود فأوصله إلى الواثق ، فأعطاه ألف دينار ، وأخذ له من أهل الدولة ما غني به عقبه بعده .