أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
30
شرح مقامات الحريري
فقال : ما أحسن ما قال ! فأنشدني أحسن ما قالته العرب في السّكوت فأنشدته : [ الكامل ] إني ليهجرني الصديق تجنّبا * فأريه أن لهجره أسبابا وأراه إن عاتبته أغريته * فيكون تركي للعتاب عتابا وإذا بليت بجاهل متحكّم * بجد المحال من الأمور صوابا أوليته منّي السكوت وربّما * كان السكوت عن الجواب جوابا فقال : ما أحسن ما قال ! ثم قال : ما مالك يا نضر ؟ قلت : أريضة بمرو . الروذ أتصابها وأتمزّزها ، قال : أفلا نفيدك مالا معها ؟ قلت : إن رأى ذلك أمير المؤمنين ، فإني لذلك لمحتاج . فأخذ القرطاس وكتب وأنا لا أدري ما يكتب ، ثم قال : كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب ، قلت : يا غلام أترب الكتاب ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مترب ، قال : فمن السّحاة ، قلت : يا غلام اسح الكتاب ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مسحى ، قال : فمن الطين ، قلت : يا غلام طن الكتاب ، قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مطين ومطان ، فقال : هذه أحسن من الأولى ، ثم قال : يا غلام أتريه واسحه وطنه . ثم صلّى بنا العشاء ، ثم قال لغلامه : امض معه إلى الفضل بن سهل بهذا الكتاب ، فلمّا قرأه قال : بم استأهلت أن يأمر لك أمير المؤمنين بخمسين ألف درهم ؟ وما سبب ذلك ؟ فأخبرته الحديث على جهته ، فقال : لحنّت أمير المؤمنين ، فقلت : كلّا إنما لحن هشيم - وكان لحّانة - فتبع أمير المؤمنين ألفاظه ، وقد تتبع ألفاظه الفقهاء ورواة الأخبار . فعجّل لي ما في الكتاب ، وأمر لي من عنده بأربعين ألف درهم ، فانصرفت بتسعين ألف درهم بحرف استفاده مني . وهذا الخبر جاء في أخبار النحويين . وذكره الحريري في درّة الغواص بأخصر مما ذكرناه ، ثم قال بإثر الخبر : وقد أذكرني هذا المثل أبياتا أنشدنيها أحد أشياخي رحمهم اللّه لأبي الهيذام : [ الرمل ] لي صديق هو عندي عوز * من سداد لا سداد من عوز وجهه يذكّرني دار البلى * كلّما أقبل نحوي وضمز وإذا جالسني جرّعني * غصص الموت بكرب وعلز يصف الودّ إذا شاهدني * وإذا غاب وشى بي وهمز كحمار السّوء يبدي مرحا * فإذا سيق إلى الحمل غمز ليتني أعطيت منه بدلا * بنصيبي شرّ أولاد المعز قد رضينا بيضة فاسدة * عوضا منه إذا البيع نجز * * *