أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

249

شرح مقامات الحريري

ماتوا ، قلت : عذريّ ؟ قال : عذريّ وربّ الكعبة ، قلت : وممّ ذاك ؟ قال : لأنّ في نسائنا صباحة ، وفي فتياننا عفّة . وسئل أعرابي منهم فقيل له : ما حدّ الحب عندكم ؟ فقال : أعين تتلاحظ وألسن تتلافظ ، وعدات تتقضّى ، وإشارات تدل على السخط والرّضا . قيل له : فالمباضعة ؟ قال : ذلك طلب الولد ، الحبّ إذا نكح فسد . سفيان بن زياد : قلت لامرأة من عذرة - ورأيت بها هوى غالبا حتى خفت عليها الموت : ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أحياء العرب ؟ قالت : فينا جمال وتعفّف ، فالجمال يحملنا على العفاف به ، والعفاف يورثنا رقّة القلب ، والعشق يفني آجالنا وإنا نرى محاجر لا ترونها . أبو عمر بن العلاء : حدّثني رجل من تميم ، قال : خرجت في طلب ضالّة لي ، فبينما أنا أدور في أرض بني عذرة أنشدها ، إذا ببيت منعزل عن البيوت ، وفي كسره شابّ مغمى عليه ، وعند رأسه عجوز بها بقية جمال ، ساهمة تنظر إليه ، فسلّمت عليها ، فردّت السلام ، فسألتها عن ضالّتي فلم تعلم بها ، فقلت : من هذا الفتى ؟ فقالت : ابني ، فهل لك في أجر لا مئونة فيه ؟ فقلت : واللّه إني أحبّ الأجر وإن رزئت ، فقالت : إن ابني هذا يهوى ابنة عمّ له ، علقها وهما صغيران ، فلما كبرت خطبها غيره ، فأخذه شبيه الجنون ، فخطبها إلى أبيها ، فمنعه وزوّجها غيره ، فنحل جسمه واصفرّ لونه ، وذهب عقله ، فلما كان منذ خمس زفّت إلى زوجها ، فهو كما ترى مغمى عليه ، لا يأكل ولا يشرب ، فلو نزلت إليه فوعظته ! قال : فنزلت إليه فلم أدع موعظة إلا وعظته بها ، حتى قلت له : إنهنّ الغواني صاحبات يوسف ، الناقضات العهد ، وقد قال فيهن كثيّر : [ البسيط ] هل وصل عزّة إلا وصل غانية * في وصل غانية من وصلها خلف « 1 » قال : فرفع رأسه محمرّة عيناه كالمغضب ، وهو يقول : لست ككثير ، إن كثيّرا رجل مائق ، وأنا وامق ، ولكني كأخي تميم حيث يقول : [ الطويل ] ألا لا يضرّ الحبّ من كان صابرا * ولكنّ ما اجتاب الفؤاد يضير ألا قاتل اللّه الهوى كيف قادني * كما قيد مغلول اليدين أسير فقلت له : فإنه قد جاء عن نبينا صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي » « 2 » فأنشأ يقول : [ الوافر ] ألا ما للمليحة لم تعدني * أبخل بالمليحة أم صدود ! مرضت فعادني أهلي جميعا * فما لك لم ترى فيمن يعود !

--> ( 1 ) البيت في ملحق ديوان كثير عزة ص 505 . ( 2 ) أخرجه الدارمي في المقدمة باب 14 .